بـحــر الأبجــدية ... أن تكون ناجحاً

العدد: 
9028
التاريخ: 
الخميس, 11 كانون الثاني, 2018
الكاتب: 
نور نديم عمران

وهكذا كلما ضاقت الدنيا عليَّ أمضي إليها لنشرب معاً من قهوتها اللذيذة ، التي مازالت تصرّ على تحميصها بنفسها وطحنها لتقدمها لنا في جلساتنا الصباحية الغنية بكل ما هو نقيّ وصادق . . أخبرتني جدتي الواقعية هذا الصباح  بعد أن همست لها بوجع يؤرقني: لا يمكن أن تهبنا الحياة  كل شيء مهما اجتهدنا وحاولنا لأن ما تعطيه من جهة تأخذ منك مقابلاً له من الجهة الأخرى..
فأن تكون ناجحاً في حياتك ، يعني أن تحاط بالحسد والغيرة، لأن نجاحك يذكرهم بما عجزوا عن تحقيقه ، وذلك ينطبق على الحياة الوظيفية ، والعلاقات الاجتماعية وقبلهما الأسرية.  
ويمكن استبدال كلمة ناجح بكلمة طيبٍ أو خلوقٍ أو مجتهدٍ أو قويّ البنية ،  أو جميل الشكل أو. أو. أو.  وفي القائمة المقابلة: الفاشل . . الفاجر. . الفاسق . . القبيح . . ال . .  ال . . 
فعلى مستوى الأسرة نجد الأهل يثقلون كاهل الابن الطيب بطلباتهم بينما يتحاشون ((العصبي)) درءاً للمشاكل . . 
كما نجدهم يتعاطفون مع الفاشل في حياته الزوجية على حساب من أحسن اختيار شريك حياته ، يحبون شقاوة حفيدهم الذي يشتم لأنه سيكون (قبضاي ) عندما يكبر ويتضايقون من برودة دم الحفيد المهذب .
وقس على ذلك في كل الأمور الأسريّة . . 
أما في العمل فمديرك يخاف على كرسيه منك ، ويتجاهل التزامك طوال الوقت ليقف لك عند خطأ بسيط ، بينما يتجاهل ما هو أكبر بكثير من زميل لك لأنه يتقن فن تمسيح الجوخ الذي تجهله أنت .
ومع أصدقائك الذين تظن نفسك ادخرتهم لغدر الزمن تجد نفسك ضائعاً لأنك إن فتحت فمك لتشكو من أمر ما سينفجر أحدهم في وجهك . . أنت . . أنت تتذمر . . أنت الذي تملك كذا وكذا.. وتعمل في كذا . . ويبدأ في قراءة قوائم سجلها في ذهنه، وكررها مئات المرات منذ تصادقتما.
ثم يوبخك قائلاً: وماذا أقول أنا . .  و . . وهكذا. . 
نعم أن تكون ناجحاً يعني أن تتوقع الخذلان من كثيرين، أن تكون ناجحاً يعني أن تظل معتمداً على ذاتك وحدها..
ارتشفت آخر ما تبقى من قهوتي  قبل أن أحث الخطا إلى عملي، وجدتي تردد ورائي مؤكدة: نعم أن تكون في القائمة الأولى هو أمر يستحق أن تتحمل في سبيله جهل الجاهلين، و اتهامات المسيئين  و . . و . . وغيرة الحاسدين .