الــعـبــاءة الســــوداء

العدد: 
9027
التاريخ: 
الأربعاء, 10 كانون الثاني, 2018
الكاتب: 
رحاب عيسى موسى

شركاء الماضي والحاضر والمستقبل هي قصص المظلومين وحكايا العابرين على الحطام لديهم ماض مشترك فالألم والحزن يمشي في عروقهم كالسم حين يسري في الأبدان لا حاضر لديهم فالماضي هو الحاضر أبداً.
وأما في المستقبل فهم شركاء ولكن بالثأر لتراب الوطن. بحبر الرسالة يشتركون عندما يلح عليهم الحنين فيخطون سطوراً كتبت بالدماء وكلمات بالدمع الحزين.
فالقصة هي قصة وطن وحكاية من تجرأ فبعثر تراب الوطن.
كلٌ في غرفته ملتفاً بعباءة سوداء فضفافة حملت هموم وأحزان الدنيا وارتسمت على وجوههم ملامح باهتة وحزينة فأين هم من النكتة وخفة الظل والابتسام.؟
من نوافذ غرفهم يرون السماء ناقصة فهي توحي بأنها حزينة وباكية قد خسرت إما نجماً من نجومها أو كوكباً من كواكبها.
ولكن يعلمون أن السماء كاملة فهي عرش الله، ولكن ابتسامتهم هي التي غصت بالدموع والأحزان وجعلت نظرتهم سوداء إلى السماء.
في إحدى زوايا الفسحة يجلس عجوز صامت رسمت يد الزمن في وجهه خطوط حكمة وفي جبينه أخاديد صخر وفي ملامحه تجاعيد عمر بقامة منصوبة يمشي يحمل بيديه رسالة وباليد الأخرى منديلاً جليس الماضي ليعيش إنه أبو المجد.
وفي الزاوية الأخرى تجلس بتول مع أمها تضمها إلى صدرها فيعلو بكاء بتول ثم بكاء الأم. و أما مريم فتجلس في غرفتها فمنذ ذلك اليوم الحزين لجم المصاب لسانها فالتزمت الصمت ولكن بنظراتها أخذت تجول أرجاء غرفتها الجديدة علها تجد صورة لعائلتها المفقودة فهي من فوق الحطام قد عبرت ومشت.
والعجوز صاحبة الدار تسمع من غرفتها كل ليلة بكاء العجوز ثم يليه صمت طويل وكذلك تعبر بتول عن شوقها لأبيها ببكاء مرير.
ومن غرفة مريم لابكاء ولا أنين بل هو الصمت الرزين.
هكذا تقضي أم الفوز ليلها الطويل ولكن عندما يلوح الفجر بنور مصباحه يستيقظ الصباح على أنغام مواويله والشمس تشرق لتعانق أريكة أم الفوز فمن أشعتها الذهبية أخذت طاقة وتفاؤلاً وقراراً بلم شملهم في هذا البيت المتواضع وذلك بإخراج الحزن واليأس من عباءتهم السوداء. لتأخذ من الثلج لوناً ناصع البياض. وعندما جمعتهم على مائدة الغداء في الفسحة السماوية تعانقت نظراتهم، وامتزجت دموعهم بدمائهم فطلبت منهم مد الأيادي للسلام والتعارف ولكن هذه الأيادي البيضاء كأنها من خلال الموت مدت للسلام ولتنزع عنهم ثوب الحزن والتشاؤم لبست ثوب الحكمة قائلة:
بات عمرنا كالصحراء فلنجعله من خلال هذا السلام بستاناً فبان على وجهوهم شعوراً بالأمان فنحن نعيش خراب الأرض وتشتيت القلوب والأكباد لا يجب أن نقف عند الدمار ونطيل الانتظار فالحنين قد أرقنا ونحن لكل تفاصيل الوطن وحتى لأرصفة الشوارع مشتاقون وجميعنا بالحنين والاشتياق مشتركون فنهض العجوز قائلاً : أنا أبو الشهيد فمن مثلي بالشوق والحنين. وعندئذ علا صوت بتول قائلة : ليس بقدر شوقي لأبي الشهيد وأما مريم فروت قصتها بحرقة قائلة : الإرهاب سلبني العائلة والدار فأين أملي بالغد الجديد؟
وبقوة نهضت العجوز وسط الفسحة بكل فخر واعتزاز تقول لهم لست الخنساء ولا أم البنين فأنا أدعى أم الفوز ولي خمسة شهداء بلا دار أصبحت ، وبلا عائلة أمسيت وهذه الدار لأجدادي وستصبح لنا جميعاً وسوف نعبر سوياً فوق الدمار لنصل إلى إعمار الأرض والدار وبكل شراسة، سنحمي الباقي من الوطن ونضمد الجراح ونلملم الأشلاء فتصافحوا ثانية وتعانقوا وكان لعناقهم طعم الانتصار ومزقوا العباءة السوداء ولبسوا ثياب الانتصار.
 

 

الفئة: