أقلام شابـّة ..... أفكارنا الفردية والجمعية

العدد: 
9026
التاريخ: 
الثلاثاء, 9 كانون الثاني, 2018
الكاتب: 
أوس علي

الجماعات البشرية دائماً تحكمها أفكارمشتركة حتى لو لم تكن هذه الأفكار متطابقة بشكل كلّي لدى جميع الأفراد إلا أنها تشترك في الإطار العام، وهذه الأفكار لا تنشأ من فراغ، وإنما هي عبارة عن نتاج أفراد هذه الجماعات، ولكن ليس بالضرورة أن تكون الفكرة الجمعية مجموعاً حسابياً للأفكار الفردية  لأن الفكرة الفردية ناتجة عن عقل إنسان يتسم بالوعي والإدراك. أما الفكرة الجمعية هي عبارة عن توجه فكريّ عام لأنصار هذه الجماعة . فحاصل جمع القوى العاقلة ينتج عنه قوة عمياء، لا تملك وعياً خاصاً بذاتها .فغالباً ما تتمتع الأفكار الفردية بخصوصية واستقلالية تميزها عن الفكرة الجمعية.
فلو مثّلنا الفكرة الفردية ببالون فسوف يكون لدينا بالونات مختلفة الألوان، و الأحجام حسب اختلاف الأفراد. وعند اجتماع هذه البالونات سينتج عنها شكلاً مختلفاً تماماً عن مشهد البالون الواحد. ولو افترضنا أنّ كل بالون يمتلك عقلاً يوجهه بما يخدم مصلحته، فسوف تتحرك البالونات بشكل عشوائي نتيجة اختلاف المصلحة الخاصة بكل بالون .وستصطدم البالونات تبعاً لتصادم مصالحها، ولا يمكن أن يصل كل بالون إلى هدفه إلا عن طريق تحديد هدف مشترك يوجهها نحو تحقيق مصلحة مشتركة، وبذلك تتحول من قوة عشوائية إلى قوة منظمة .
كذلك الأمر بالنسبة للمجتمع فلا يمكن أن يحقق أهدافه إلا من خلال تحقيق توجهٍ فكريٍّ  يضمّ جميع أفكار أفراده ضمن إطار واحد مع الحفاظ على الخصوصية الفردية ،هذا التوجه سيكون قادراً على خلق أفكار جديدة، و قيم جديدة . و هذا لن يتم إلا من خلال ضبط أفراد الجماعة ضمن نظام سلوكي واحد يؤدي إلى حالة من الاتفاق المبهم ..
على سبيل المثال: عندما نقوم بقسر مجموعة من الأفراد على القيام بعمل لا يلقى استحساناً لدى أغلبهم فنلاحظ أنه يشعر كل فرد بالامتعاض من حالة القسر المطبقة عليه، وسيعم هذا الشعور جميع أفرادالجماعة و بعد الانتهاء من العمل نلاحظ أنه قد تشكل لدى أفراد الجماعة توجهاً فكرياً نحو رفض حالة القسر، وبالتالي رفض كل الحالات المشابهة لحالة القسر هذه . . ومع تكرار الحالة يزداد هذا التوجه قوة وتترسخ أسسه في نفوس الجماعة على شكل سمة عامة .
وينشأ هذا التوجه لدى الجماعة بطريقتين متعاكستين: الأول يبدأ على شكل ردّة فعل فردية من شخص واحد تجاه موقف محدد، ثم ينتقل إلى آخرو آخرحتى يعمّ كل أفراد المجموعة، وإن كان بنسب متفاوتة حسب طبيعة الفرد وطبيعته المزاجية وتكوينه الفكري، وغالبا ًما تكون هذه الأفكار غير قابلة للنقد، لأنها تحمل براهين صدقها بذاته، فهي تكتسب قوتها من انتشارها و عموميتها .
والطريقة الثانية هي فرض الفكرة من خارج الجماعة بشكل قصدي ومدروس بغية تكوين اتجاه محدّد لدى أفراد جماعة  بقصد الوصول إلى هدف محدد.
و هذا ما تقوم به الحكومات، كل حكومة توجّه أفرادها نحو قيم محدّد تمثلها رموز الدولة كالنشيد الوطني و علم الدولة، وكلما كان الالتفاف حول الرمز كبيرا ًكان الانتماء للدولة قوياً، وكان التوجه لتحقيق أهداف أكبر. هذا التوجه يستوعب أفراد الجماعة جيلاً بعد جيل. فالأجيال الجديدة تتوجه بشكل عفوي نحو الإعلاء من شأن رموزها، ولايلبث هذا التوجه العفوي أن يتحول إلى انتماء واعِ كلما تقدّم الزمن بهذه الأجيال ..
 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة