بقايا صور

العدد: 
9025
التاريخ: 
الاثنين, 8 كانون الثاني, 2018
الكاتب: 
هدى علي سلوم

تتزاحم صورنا في الحياة وألوانها على دروب شمس كل نهار، لتشكل شريطاً سينمائياً فيه الأسود والأبيض، و ألوان قوس قزح من الروابط الإنسانية والضوابط الاجتماعية والأفكار والقيم والكثير من المفردات، يتلاشى بعضها مع رياح هذا العصر البائس وأوراق خريف العمر فيتراكم  صقيع ثلوج الشتاء .
بقايا صور جميلة في الذاكرة، وإن جف ماء مآقي عيونها فهي في البال والخاطر وحتى في طرقات أيام هؤلاء العباد .
برّ الوالدين واجب مقدس عند البعض. وغيرهم عبء ثقيل يتلمسونه لدى غيرهم ولهم الأجر والثواب، اليوم رأيت ما رأيت ، شاب وسيم في الأربعين من السنين، قطع علينا طريق التاكسي، فتوقفت وسائقها مد عنقه خارج زجاج النافذة يصرخ فيه، وسرعان ما اندس الشاب فيه وهو يشير بيديه ويقر بعينيه بصمت رهيب، أن يأتي معه إلى البيت فثمة ضيف في الانتظار، وبعد مرور وقت عصيب فيه التخبط وعدم الفهم الصحيح، ذهب بنا إلى حيث كان يشير ذات اليمين وذات اليسار، في ذلك الحي، وذاك الزقاق إلى أن وصلنا المكان، فهرع الشاب يقرع باب منزل، ليخرج منه رجل مسن وقد توكأ على كتف زوجته، فاستعجل الشاب ليمسك به من الطرف الآخر، فقد كان شاحب الوجه، وخطاه متثاقلة بمفاصل تصطك كقطع خردة دون تشحيم أو تزييت، تصرصر تحت وطأة جسم واهن ضعيف، وعلى وقعها الوئيد مضى وقت ليس بقليل إلى أن وصلا للطريق، وفتح السائق لهما الباب الذي أمسك به العجوز وفتل في وقوفه ليجلس على الكرسي ويرفع الشاب قدمي والده عن الطريق، ويضعها داخل السيارة، ثم يدور ويجلس خلفه، بعد أن قبل يد والدته التي تلوح لهما بها وتدعو بالسلامة والتوفيق، وعيناها قد غاص فيهما لون البحر وزرقة السماء تموج بمقلتيهما التي لاحقت زوجها، إلى أن بعدت وغابت السيارة في غياهب ذاك النهار، تحدث الرجل العجوز أن المرض قد اشتد عليه وبدأ ينهش جسده، ولا حول ولا قوة إلا مع ولده البار الذي يرافقه إلى الطبيب،فقال :  أبكم وأصم لكنه من الأبناء الصالحين جزاه الله خيراً وحسن مقام . وأنا أفتخر به أمام الناس، تحسدني أختي وزوجها على الرضا والسلام الذي نعيشه، إذ إنّ ابنها المدلل يرى ويسمع غير ما يصوبانه إليه، يصرخ ويتهجم عليهما بملء صوته ويده، إذا ما قصرا في تقديم كل ما لديهما وفوق طاقتهما، ربياه صغيراً، وما إن شب واشتد عوده رماهما بسهام شقائه وشقوته، ليشتد الوجع ويفتك في الروح والجسد .
أما في زيارتنا لدار المسنين، ونحن جمعية خيرية أحببنا أن نمضي العيد والأوقات الجميلة التي تسللت إلى آباء وأمهات، تسكنهم الغربة بين جدران الوطن، تشاركنا الغداء والرقص والغناء في فناء الدار، وقمنا بالتجول بين أركانها وأبعادها، لنرى بعضهم قد حجزهم الضعف والعجز وقلة الحيلة والقهر.
سيدة وهي كغيرها، سافر ولدها إلى بلاد الغرب وهجرها، بعد أن تركها في هذه الدار، تقديراً لجهودها وتعبها طوال سنين، تجاوزت الثمانين بوجه أبيض يشوبه الأنين، استكانت في كرسيها كما الصغير تنفرد بها غرفة صغيرة بفراغ قاتل وصمت صارخ من مطرب يقبع في تلفاز أمامها ولا تعيره أي اهتمام، وما إن رأتنا حتى أشرقت أساريرها،
وتأبطت فرحاً لتسكب على مسامعنا أناشيدها فتقول :
(ولدي الله يرضى عليه) وضعني هنا مع أصحاب يشبهونني وبمثل عمري لأتسلى، فلا أكون وحيدة عاجزة ( آه .. آه، الله ايسرو) وتخطو بنظرها زجاج النافذة وتسافر إلى البعيد .
نكسر صمتها وهدوءها ونسألها عمن يزورها ؟ فترد ببرود والقلب يستطير وجعاً : قال لي بأنه سيزورني قريباً ولن يتأخر، ومضى اليوم أكثر من أربع سنوات، ولم أره بشحمه ولحمه أو ألمح أحداً من أحفادي وزوجته، لكنه حادثني على النت ثلاث أو أربع مرات لا أذكر بالضبط عند مدير الدار ( الله يوفقو .. ويكون معو ) آه أشتاق لجارتي أم هيثم وأحن لبيتي وعائلتي وللحي وأيام الفرح والهناء، جارتي لم تتركني تأتي بين الحين والآخر مع ولدها ليطمئنا علي،ويقضيان معي معظم ساعات النهارفي العطل والأعياد، ولدها ربيته كما ولدي فلم يتركني جزاه الله خيراً.
تصحو من حلمها، وترنو بنظرها إلينا، وتلاحقنا بكلماتها ما إن هممنا بالغروب والفلول، تستجير بنا أن نعود ثانية لزيارتها ولا نتركها في هذا العراء، فالجو صقيع والشتاء طويل .
 

الفئة: 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة