ميزانية خاصة للاحتفال برأس السنة ...الكلّ يشكو من (القلّة).. وتبقى ســـــــــــهراتنا عامرة حتى الصــــــباح

العدد: 
9024
التاريخ: 
الأحد, 7 كانون الثاني, 2018
الكاتب: 
شروق ديب ضاهر

في الأرجنتين، يرتدون ثياباً داخلية وردية اللون ويخطون بالقدم اليمنى مع أول لحظات العام الجديد، وفي البرازيل يرتدون الزي الأبيض تخويفاً وإبعاداً للأرواح الشريرة ويسبحون ليلاً، وفي الأكوادور يصنعون دمية على شكل رجل ويحرقونها دلالة على احتراق ما مضى والترحيب بما هو آت، وفي هولندا يرمون أشجار الميلاد في النار لطرد الأرواح الكئيبة من السنة الماضية واستقبال أرواح السنة الجديدة، وفي الصين ينظفون زوايا منازلهم لطرد الحظ السيئ، وفي بعض مناطق الأناضول يعتقدون أنّ أول شخص يجلب الماء صبيحة اليوم التالي يصبح غنياً، وفي بريطانيا يستمعون إلى برنامج تلفزيوني يكرهونه، وفي بعض مناطق الهند  حيث تشيع التقاليد الهندوسية يرسمون بالمساحيق الملونة على أعتاب المنازل، وفي نيويورك يفرشون الشوارع بالحلوى، وفي برلين يطلقون ماراثوناً في منتصف الليل، وفى روما يقفزون في مياه نهر التيبر، أما في سورية فيجهّز السوريون ألوان الطعام من دجاج ولحوم وسلطات، وينصبون النراجيل ويعدّون المفرقعات لينطلق ماراثون الأكل والشرب، فمنهم من يتابع ويصل إلى خط النهاية قاطعاً شريط الشمس الأول، ومنهم من ينال منه التعب وسلطان النوم ليبتلعه السرير، أما من أراد تمييز نفسه في هذه الليلة المميزة، قصد مطعماً أو حفلةً لأحد الفنانين ليبقى الطعام والشراب قاسماً مشتركاً بين الجميع.

عاش السوريون على طريقتهم لحظة الانتقال من عام إلى آخر بكثير من الفرح والسعادة، وعبّروا عن هذا الفرح بطقوس تدرّجت من الاكتفاء بـ (فروج مشوي مع سلطة) إلى موائد عامرة بمختلف أنواع الطعام والشراب، ومن «فتيش خفيف» أشعله الأطفال مروراً براجمات المفرقعات وقنابلها، انتهاءً بإطلاق الرصاص الحي بمختلف أنواعه !! بكل الأحوال نتمنى ألا يكون الفرح قد نسي أي عائلة بائسة لسبب أو لآخر، وما أكثر هذه الأسباب في زمن الحرب.
معظمنا يشكو من القلّة وضيق ذات اليد، وأن الراتب (يا الله) يكفي خبزاً وبيضاً وبطاطا، لكن فجأة تظهر القدرة الغريبة لدى كلّ السوريين ولدى الفقراء منهم قبل الأغنياء على (مدّ سفرة) فيها كلّ ما لذّ وطاب ولا تقلّ كلفتها وسطياً عن /25/ ألف ليرة سورية، و كأن هذه القدرة كانت طاقةً كامنةً تتفجر فجأة مع انفجار المفرقعات النارية.
سألنا من نعرفهم من (معدومي الحيلة) عن هذا التناقض فكان الردّ: هو يوم في السنة (بدنا نعيش) ونشعر أننا مثل غيرنا، نفرح ونفرّح أولادنا، فأعقبناه بسؤال: وماذا عن بقية أيام الشهر؟ فكان الجواب: (الله خير معين)!
سألنا مالك متجر للبقالة عن متوسط مبيعاته يومياً والرقم الذي وصلت إليه هذه المبيعات يوم 31/12/2017 فأجاب: أبيع يومياً ما قيمته بين الأربعين والخمسين ألف ليرة سورية، وهذا المبلغ فيه ربح من أربعة إلى خمسة آلاف ليرة (نعمة كريم) أما في يوم سهرة رأس السنة لهذا العام، فقد تجاوزت مبيعاتي الـ300 ألف ليرة سورية ومعظمها موالح ومشروبات مستلزمات سهرة رأس السنة..


على مفترق طريق لقرية صغيرة وقفت سيارة بيك آب محمّلة بالسمك، اتفقت معه في الصباح أن أعود إليه بعد الظهر، وكان الأمر.. ضحك وقال: الحمد لله، الغلّة وفيرة هذا اليوم وقد بعت ما يعادل ما أبيعه خلال شهر!
هي حالة ليست في حاجة إلى إثبات، وفي ذات الوقت ليست في حاجة إلى تبرير، فقد ارتبط هذا اليوم بمظاهر الفرح والبذخ احتفالاً باستقبال عام جديد بكل ما هو مفرح وبكل ما يرسم البسمة على الشفاه.. 
يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: نسمع في لحظات الفرح الغامر صرخات الرعب أو البكاء الموجع اشتياقاً إلى شيء ما فقدناه بلا رجعة.
فهل سمعنا ونحن في قمة فرحنا بقدوم عام 2018 صرخات رعب أو بكاء وهل اشتقنا إلى شيء ما فقدناه بلا رجعة؟
كانت آلامنا كبيرة جداً، فقدنا أحبّة بلا رجعة، فهلّا قرأنا على أرواحهم السلام؟! أم أن صخب تلك اللحظات العامرة بما لذّ وطاب أثمل عقولنا إلى درجة النسيان؟
تقول الروائية أحلام مستغانمي: اشترِ أحذية لأحلامك، وستصبح كل الطرقات إلى الفرح سالكة.
فهل عرفنا كيف ندجّن أحلامنا؟ هل عرفنا بالأساس كيف ننسجها بشكل يناسبنا؟
كلّنا ذهب إلى صفحات التواصل الاجتماعي معبّراً عن أمنيات كثيرة سكبها في جفن العام 2018 ولكن سرعان ما تبخّرت هذه الأمنيات، وعادت الثرثرة لتفرض وجعها على مواقع التواصل، فهذا يشتم مسؤولاً لأن الكهرباء انقطعت، وذاك يقيم الدنيا ولا يقعدها لأن فريقه المفضّل خسر، وكأن الفرح لا يستمر أو لا يمتلك مقومات استمراره ولهذا لفّت الحيرة زياد الرحباني (حائر أنا بين أن يبدأ الفرح وألاَّ يبدأ مخافة ينتهي).
يقول الروائي الجزائري (واسيني الأعرج): شيء ما في المدن العربية يجعلها حزينة دوماً حتى وهي بأقصى حالات الفرح.
سامحك الله أيّها الأعرج، لم نتابع أي خبر في ذلك اليوم المسرور، نسينا طيش الإرهاب في سورية، ولم نتابع قصف الطيران السعودي لليمن، وأغمضنا عيناً عن التفجيرات الإرهابية في مصر، فلماذا تصرّ على تذكيرنا؟
نتفق معك على أن المدن العربية غالباً ما تبدو حزينة، بل إنّ كل فرد منّا عندما يفرح على غير المعتاد يقول لنفسه: الله يعطينا خير هذا الضحك أو هذا الفرح!
علينا أن نذهب مع جبران خليل جبران وهو فيلسوف الحياة وأكثر الناس فهماً لها حيث يقول: (حين يستخفّك الفرح، ارجع إلى أعماق قلبك فترى أنك في الحقيقة تفرح بما كان يوماً مصدر حزنك، وحين يغمرك الحزن تأمل قلبك من جديد فسترى أنك في الحقيقة تبكي مما كان يوماً مصدر بهجتك)، أو نأخذ بنصيحة غادة السمان: 
(كل صباح أنهض من رمادي وأستيقظ على صوتي وأنا أقول لك: صباح الحب أيها الفرح).


هل تستحق 2017 الرجم؟
غالباً ما نختم كلّ سنة بأمنية أن تحمل معها مآسيها، ونجبر أنفسنا على ارتداء الأمل بالتي تليها، احتفلنا بـ2017 كما احتفلنا بـ 2018، أي أن الـ 2017 قبل سنة من الآن كان قدومها مصدر سعادتنا بينما اليوم نلقي بها إلى التهلكة ونحن نهلل لتاليتها!
بصراحة كانت سنة 2017 سنة سوريّة بامتياز ولن نلقي بها إلى قاع الذكريات بل سنحاول أن نبني على قواعدها حلم 2018 السوري بكل تفاصيله..
في عام 2017 استعادت الشمس ضحكتها فوق معظم أراضي الجمهورية العربية السورية بعد أن طهّرت قوات جيشنا الباسل بالتعاون مع الحلفاء والأصدقاء معظم أجزاء بلدنا من دنس الإرهاب وعادت عجلة الحياة إلى الدوران في أكثر من موقع وعلى أكثر من صعيد، وقد قدّر الشعب السوري أهمية ما تحقق دون الاستماع إلى محللين سياسيين أو اقتصاديين، أي أنّ الفرح كان مادياً ملموساً، فزجاجة الزيت على سبيل المثال تراجع سعرها أكثر من مئة ليرة وهذا التراجع أهمّ من كل ما قاله المحللون الاقتصاديون عن تحسّن الوضع المعيشي وأهمّ بكثير من أرقام مديريات حماية المستهلك عن الضبوط التي نظمتها، وتسويق الحمضيات بتسهيلات أكثر وأسعار أعلى عن الموسم الماضي أهمّ من كلّ عناوين الصحف والأخبار..
من وجهة نظر موضوعية لقد كان عام 2017 هو الأفضل بعد أن دخل بلدنا هذه الحرب على الإرهاب حيث انقشعت الكثير من غيوم التعب والقلق، وإذ نعبّر عن هذا الفرح فإنما يسبق ذلك الانحناء بخشوع وكبرياء لأولئك الرجال الميامين الذين سهروا من أجل أن ننعم بسهراتنا، وضحّوا بدمائهم وبأجزاء من أعضائهم من أجل أن تبقى سورية نبعاً للحياة وعرساً للشموخ والهناء.


ويبقى الكثير!
هذا الكثير هو ما سنحمّله لعام 2018، هذا الكثير هو البناء الذي سيرتفع على الأساس القوي من الأمن والاستقرار الذي أرساه جيشنا العربي السوري وعمّده بالدم فما هو هذا الكثير؟
لا نريد العودة إلى الوراء، لنقل إن ما وصلنا إليه مع نهاية 2017 هو خط البداية لحلم سوري كبير عنوانه عودة الألق والتألق للحياة السورية وفي تفاصيل ما تحت هذا العنوان سيستمر الجيش العربي السوري في اجتثاث الإرهاب واقتلاعه من جذوره وثقتنا بهذا الجانب كبيرة جداً ولا حدود لها..
وتحت ذات العنوان أيضاً فإن كلّ الوعود التنموية التي أطلقتها 2017 يجب أن تنتقل إلى مرحلة التنفيذ لأنه لم يعد هناك ما يؤخر تنفيذها، وفي كلّ منها حكاية فرح للسوريين، فعندما يعود مصنع إلى الإنتاج تزهر ضحكة، وعندما تتحسّن خدمة ما تشرق شرفة بالفرح، وعندما يقوم كلّ منّا بواجبه تصبح للأيام قيمة كبيرة.
لدينا الكثير من العمل، لدينا الكثير من الجدّ والمتابعة لنكون أوفياء للتضحيات الكبيرة التي قدّمها السوريون على مختلف الجبهات، وحتى لا تتحول أسباب فرحنا إلى عناوين معاناة علينا أن ندرك أيضاً أنّ أعداء سورية يتربصون بنا، ولن يهون عليهم أن يروا فرحنا وقد ينقضّون عليه إذا ما لمسوا استرخاء فينا، فالفرح صناعة سورية وليست حالة عابرة لذلك علينا أن نقوّي مقوماته ونبحث في ذواتنا عمّا يمكننا تقديمه أو إنجازه لتوسيع دائرته فلا يبقى مختبئاً في عين أو محتجزاً في فكرة..

وتستمر الحيــــاة
إليكم يا ذوي الشهداء لا يسعنا إلا الانحناء حتى السجود تبجيلاً وتكريماً لجلال عطائكم، فمهما أطلقنا عنان الشطحات لمخيلتنا سنبقى عاجزين عن تمثّل آلامكم.
نستمد منكم القوة لنخرج من ضعفنا، والعطاء نداوي به منعنا، والكرم نداري به سوءات بخلنا، فأنتم خير من ربى وأنشأ وأعطى، و دفع بعجلة الحياة ألّا تقف عند تبديل الأرقام في مفكراتها، وألا تتعطّل عند حزن هنا أو وجع هناك، أنتم من جعل الحياة رحلة تقاس مدتها بالعمل والإنجاز وتتزيّن بالمواقف الكبيرة، وتتعطّر بالقيم ولهذا ننحاز إلى سوريتنا وإلى كل تفاصيل الغنى فيها..

رســـــــــــائل
* من هاتفه الجوّال أرسل لزوجته يقول: فلتفرحي والأولاد، حضّري لهم ما تشتهيه أنفسهم، ولا تحزنوا لبعدي عنكم، فأنا لست وحيداً بل أسهر وبندقيتي التي أحبّ، أنا وهي معكم ولجانبكم، فلا تخافوا وعيشوا الحياة بحلوها لتطمئن نفسي أن ما أقوم به عظيم.. وفي اليوم التالي وبعد انقضاء سهرة رأس السنة أرسل يقول لها: لقد ترفّعتُ يا حبيبتي، و أصبحتُ برتبة رائد في الجيش العربي السوري.. جمعت ما تبقى من عبراتها وقالت له: أنت فخرنا يا حبيبي، أنت من صنّاع الأمل والنصر.
* لم يمكّنه عمره وهو على أبواب التسعينيات من السهر حتى منتصف الليل، لكنه سرعان ما وقف في الصباح الباكر يناجي صور قرابينه الثلاث وابنه المرابط على خط النار قائلاً: الحمد لله عاد الفرح إلى وطني المكلوم قبل أن أموت، وأكرمني الإله بأني ما عفت وطني ولا خذلته، بل صدقته وما بدّلت تبديلا... حماكم الله أيها القابضون على الزناد، وعيونكم على شعيرة بنادقكم، حماكم الله يا من تضج صدوركم بصوت الإله يرعد: «هذا التراب الذي نقف فوقه ترابنا، وهذا الوطن هو أهلي وعترتي... حماكم القدير المولى وحمى قدس تراب وطننا وقائدنا».
* قبّل جبين والدته صباحاً وودعها راجياً منها الدعاء، عاجلته بالسؤال: ألا تمضي سهرة رأس السنة مع أولادك وتلتحق باكراً بأصدقائك! 
أجابها: رفيقي في السلاح سيأتي اليوم لينضم إلى أولاده وعليّ أن أحلّ مكانه.. فلترتل في هذا اليوم الملائكة في الطباق السبع صلوات الترضي والتسليم على كل شهداء بلدنا يا أمي لن تكون روحي أغلى من أرواحهم. .( رضاك يا غاليتي )