التعامل مع المدمنين وفق القانون السوري

العدد: 
9016
التاريخ: 
الاثنين, 18 كانون الأول, 2017
الكاتب: 
سورية عبدو

تعد المخدرات وتجارتها من أهم الجرائم التي تستأثر باهتمام العالم بأسره، فهي تهدد كيان المجتمعات والأفراد، وغالباً ما تتحول إلى وسيلة من وسائل هدم هذه المجتمعات وبأنماط الحياة الاجتماعية والصحية والاقتصادية كافة.
وقد تعاملت أغلب الدول مع هذه الجرائم بقوانين نظرت إلى الاتجار بالمخدرات على أنه جناية تستحق عقوبات مشددة، وبالمقابل فإنه وفي مثل هذه الجرائم لابدّ من وجود طرف ثانٍ هو المتعاطي أو المدمن، والذي تطاله العقوبة أيضاً، إلا أن النظرة إلى المدمن قد تغيرت في هذا العصر، وأضحى العلاج وإعادة التأهيل والتكيف مع المجتمع في المقام الأول.  وفي سورية صدر قانون مكافحة المخدرات في عام 1993 ، والذي حل محل قانون المخدرات المطبق منذ عام 1960، وقد شدّد هذا القانون على عقوبات جرائم الإتجار بالمخدرات بحسب خطورتها وآثارها الاجتماعية، وبالمقابل فإنه ينظر إلى المدمن على أنه مريض يحتاج إلى المعالجة لضمان عودته للمجتمع إنساناً سوياً، حول هذا الموضوع تحدّث المحامي جمال عثمان بالآتي:

التعريف بالمدمن
 الإدمان يعد من أبرز المخاطر التي تتهدد المجتمعات، وككل جريمة لابدّ من وجود ضحية لها، والمدمن في جرائم المخدرات هو الطرف المقابل لتاجر المخدرات، وهذه المسألة ليست بالبساطة التي يتصورها البعض، فالمدمن هنا ليس مجرد شخص وجهت إليه أسلحة الجريمة وإنما هو، وكما ينظر إليه الكثيرين، مجرم آخر ويجب أن يعامل بالسوية ذاتها.
وهنا تبرز المعضلة الحقيقة في مسألة التعامل مع المدمن، فهو من جهة قد اعتاد المخدرات وربما يكون لإرادته العامل الحاسم في الإدمان، وهو ما يحصل كثيراً، وقد يكون ضحية تغرير أو استغلال ودون معرفة منه.
التعريف بالمخدرات كمدخل للتعريف بالمدمن، وما المقصود بحالة الإدمان كظاهرة اجتماعية وقانونية؟
عرف القانون السوري المخدرات بأنها: كل مادة طبيعية أو تركيبية من المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية .
وقد عرفتها لجنة المخدرات بالأمم المتحدة: بأنها كل مادة خام أو مستحضر تحتوي على عناصر منومة أو مسكنة من شأنها، عند استخدامها في غير الأغراض الطبية أو الصناعية، أن تؤدي إلى حالة من التعود أو الإدمان عليها مما يضر بالفرد والمجتمع، جسمانياً ونفسياً واجتماعياً.


بالمقابل فإن المشرّع السوري لم يورد تعريفاً للإدمان وللمدمن، وهو ما يعني ترك الباب مفتوحاً لتحديد مفهوم الإدمان والمدمن من خلال التعريف الطبي والاجتماعي.
و يمكن القول بأن تعريف المدمن ليس من السهولة ، وذلك لاختلاف طريقة ونوع المخدرات التي يتعاطاها ، فمدمن الهيروين يختلف عن مدمن الحشيش ، وذلك من حيث مرات التعاطي مدته وكيفية وأسلوب التعاطي.
 الإدمــــان:
هو حالة دورية أو مزمنة تلحق الضرر بالفرد والمجتمع، وتنتج من تكرار عقار طبيعي أو مصنع، ويتميز برغبة قهرية أو ملحة تدفع المدمن للحصول على العقار والاستمرار في تعاطيه، وبأي وسيلة مع زيادة الجرعة، ويطلق عليه الاعتماد على المواد المخدرة والحاجة إليها بشكل دوري ومنتظم.
 الاعتمـــاد:
هو حالة نفسية وأحياناً تكون عضوية، تنتج عن التفاعل بين الكائن الحي، ومادة نفسية، وتتسم بصدور استجابات، أو سلوكيات تحتوي دائماً على عنصر الرغبة القهرية في تعاطي الكائن مادة نفسية معينة على أساس مستمر أو دوري (أي من حين لآخر)، وذلك لكي يخبر الكائن آثارها النفسية وأحياناً لكي يتحاشى متاعب افتقادها، ويعتمد الشخص على مادة أو أكثر.
و يتضح مما سبق أن الإدمان ينطوي على عنصرين:
1- الرغبة القهرية أو الملحة والتي تدفع المدمن للحصول على العقار.
2- الاستمرار.
و الاعتماد يقوم أيضاً، على عنصري الرغبة والاستمرار، مما يعني أنه لا توجد من الناحية العملية فائدة من التمييز بينهما، وإن كان البعض يرى بأن الاعتماد يرتبط بالحاجة النفسية فقط، وقد أوصت هيئة الصحة العالمية باستخدام مصطلح هو الاعتماد كبديل لمصطلحي ( الإدمان، والتعود ).
ومن تعريف الإدمان يمكن القول بأن المدمن هو الذي يعتاد تعاطي نوع من أنواع المخدرات تحت تأثير الرغبة الملحة، وبصورة دورية، حسب نوع المخدر الذي يتعاطاه.
 فمن المعروف أن تعريف مدمن الهيروين: هو الشخص الذي يتعاطى الهيروين بأي أسلوب ( استنشاق، حقن، بلع) لعدد يتراوح من 2- 6 مرات يومياً ولمدة أسبوع. و أما مدمن الحشيش:
فهو الشخص الذي يتعاطى الحشيش بأي أسلوب (سجائر، مضغ) ولعدد يتراوح من 2-4 مرات يومياً ولمدة لا تقل عن أربع سنوات.
وبالتالي فإن متعاطي الحشيش لا يكون مدمناً إلا إذا كانت فترة التعاطي لا تقل عن أربع سنوات، وهو ما يعني بأن ضبط مادة الحشيش مع شخص ودون تحقق المدة اللازمة لا يصنفه ضمن فئة المتعاطين.
وبالرغم من أن القانون السوري لم يتعرض لمفهوم الإدمان والمدمن، إلا أنه ومن نص المادة43/أ يعاقب بالاعتقال المؤقت وبغرامة من مائة ألف إلى خمسمائة ألف ليرة سورية،  كل من حاز أو أحرز أو اشترى أو نقل أو سلم أو تسلم مواد مخدرة وكان ذلك بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي في غير الأحوال المصرح بها قانوناً».
يتضح لنا، من نص المادة السابقة، بأن المشرّع السوري قد عاقب على التعاطي ابتداءً ودون اشتراط الإدمان، بحيث يمكن القول بأن مجرد حيازة المخدرات أو نقلها يعد جرماً يعاقب عليه القانون، وقد وضع المشرّع معياراً لتقرير العقوبة يتمثل بأن يكون الهدف من حيازة المخدرات هو التعاطي أو الاستعمال الشخصي، والعقوبة المقررة هنا تقل عن العقوبة التي تنص عليها المادة40/ب والتي تعاقب على حيازة المخدرات بقصد الاتجار.
بالمقابل فإن المشرّع السوري قد عامل المدمن معاملة خاصة، وذلك بنص المادة 43 حيث يوقف تنفيذ العقوبة الواردة في الفقرة أ من المادة 43، متى ثبت بأن المتعاطي مدمن على المخدرات.
إذاً وفق نص القانون السوري فإن المشرّع قد ميز بين التعاطي والإدمان، وذلك من خلال تطبيق العقوبة، وبالتالي فإنه متى ثبت أن الشخص يتعاطى المخدرات، وبغض النظر عن عدد المرات والجرعات، فإنه يعاقب بالاعتقال المؤقت وبالغرامة، وأما في الحالة التي يكون فيها المتعاطي مدمناً فالحالة تختلف من حيث إيقاع العقوبة.
هيكلية اللجان المختصة بالإشراف على المدمنين:  
إن المشرّع السوري ينظر إلى المدمن على أنه ضحية ومريض وليس مجرماً، ودون أخذ نية التعاطي أو الإدمان بعين الاعتبار، وتماشياً مع هذه النظرة فقد نص المشرّع السوري في المادة43/ج على تشكيل لجنة مختصة بالإشراف على المودعين بالمصحة.
وبموجب هذا القانون تم أيضاً إحداث اللجنة الوطنية لشؤون المخدرات برئاسة وزير الداخلية وعضوية ممثلين عن الوزارات الأخرى والمنظمات الشعبية والنقابات المهنية، مهمتها وضع السياسة العامة المتعلقة بالمخدرات، وتنسيق التعاون بين مختلف الجهات المعنية داخل سورية.
الحالات التي لا تحرك فيها الدعوى العامة على المدمن:
وفقاً لأحكام المادة من المعروف بأن الدعوى العامة تحرك بناءً على ارتكاب فعل يعاقب عليه القانون، وفي جرائم المخدرات فإن الدعوى العامة تحرك في الحالات التي نص عليها القانون، ويشمل ذلك الحالة التي يكون فيها المدعى عليه مدمناً، إلا أن المشرّع استثنى حالات من إقامة الدعوى العامة، وذلك بنص المادة /43/و ، مع مراعاة الفقرة (د) من هذه المادة لا تقام الدعوى العامة على من تقدم من متعاطي المواد المخدرة إلى سلطة رسمية للعلاج في المصحة من تلقاء نفسه أو بطلب من زوجه أو أحد أقاربه حتى الدرجة الثانية ولا يشمل ذلك من ضبط  بجرم تعاطي المخدرات مشهود أو حركت عليه الدعوى العامة بهذه الجريمة».
من حيث المبدأ فإن تحريك الدعوى العامة يتم بتقديم القضية إلى قضاء التحقيق أو الحكم ووضعها بين يديه ليفصل فيها ، وتختص النيابة العامة بإقامة دعوى الحق العام ومباشرتها، وهو ما نصت عليه المادة1/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري. إلا أن المشرّع السوري قد أورد حالات لا تحرك فيها الدعوى العامة من قبل النيابة متى وصل إلى علمها خبر وقوع أي جريمة، ومن نص المادة 43/و، يمكن القول بأن هناك حالات لا تحرك فيها الدعوى العامة على مدمن المخدرات وذلك في الأحوال الآتية:
1- أن يتقدم متعاطي المخدرات إلى أي سلطة رسمية للعلاج في المصحة، وقد تكون هذه الجهة الشرطة، أو القضاء.
2- أن يتقدم زوج المتعاطي بطلب علاجه، وبغض النظر عن رضا المتعاطي.
3- أن يتقدم أحد أقارب المتعاطي من الدرجة الثانية بطلب لعلاجه، وقد حصر المشرّع درجة القرابة بالدرجة الثانية، وهؤلاء هم – الوالدين، الأبناء، الأخوة والأخوات، أو أهل الزوج وإخوانه لأنهم أقارب من الدرجة الثانية مصاهرةً، ولا ريب أن المشرّع قد قصر الطلب على هؤلاء الأقارب لأنه يفترض بهم أنهم أكثر الأشخاص اطلاعاً على حالة المتعاطي.
ومن الملاحظ بأن الدعوى العامة لا تحرك في الحالات التي سبق وذكرناها ،وذلك كخطوة من المشرّع لتشجيع المتعاطين وأقربائهم للتقدم بطلب للعلاج من الإدمان، وهو ما يشكل طريقاً ممهدة أمام المتعاطي لتلقي العلاج ودون إيداعه السجن، إضافة إلى أن أفراد الضابطة العدلية لم يكن قد وصل إلى علمهم أمر المتعاطي، والذي لولا قيام الأشخاص السابق ذكرهم بطلب العلاج لما وصل المتعاطي إلى المصح، وانكشف أمر تعاطيه.
بالمقابل فإن المشرّع ذكر حالات وقف تحريك الدعوى العامة بالنسبة للمتعاطي، وقد سبق وأشرنا أنه الشخص الذي لم يصل إلى مرحلة الإدمان، و هو ما يثير التساؤل التالي: هل النص يطبق على المتعاطي فقط، أم أنه يشمل كذلك المدمن؟
في الواقع فإن التعاطي هو مرحلة من مراحل الوصول إلى الإدمان، وبرأينا فإن المشرّع السوري قد أعطى هذا الحق للمتعاطي ابتداءً، وذلك لتشجيعه على العلاج، وهو ما يعني بأن هذا الحق يمتد ليشمل كذلك المدمن، حيث أنه أولى بالعلاج، وهو بحاجة للخلاص من المخدرات.