بـحــر الأبجــدية.....على ضفافِ العدم

العدد: 
8993
التاريخ: 
الثلاثاء, 14 تشرين الثاني, 2017
الكاتب: 
جورج شويط

لن يسرّكم الحديثُ عنه . أعرف . وأقدّر، وأعتذر سلفاً، وربما ستقولون (يا لطيف شوْ مِقِتْ) !! . . يعني ضروري يحكي عنهُ ؟؟
والله، معكم حق . لكنه يبقى عنواناً لحق، يلاحقنا، مادمنا من طينة بني البشر، وبهول هذا الحضور، يتجاوز (هذا الحق)الطبيعة البشرية. والفلسفة، ارتقاءً إلى ترتيب سماوي أزلي، لا أحد يُدركُ كنهه.
وما دامت هناك حياة،  فثمّة موت أكيد،موتٌ يتلطى لنا، واحداً واحداً . . وبلا استثناء.
كنتُ صغيراً. الجنازات كانت تمرّ من أمامي، وأنا على سطح المنزل،حيث تتواجد مقابلنا، أكبرُ كنيسة في مدينتنا البحرية، أترقبُ بصمت وخشوع، مرور أية جنازة. سيارة سوداء. صوت مرتل، (ترك منذ أشهر قليلة، هو الآخر، صوته في الهواء ورحل) . شبابٌ وصبايا يحملون الأكاليل، على الصفين . ونعشٌ يُرفع على الأصابع.  ورائحة بخور وتراتيل،وصمت يطبق على فضاء الشارع الهادئ. حتى المحال التجارية، كانت تغلق أبوابها، نصفَ إغلاقة، احتراماً للجنازة، وللراحل. وثمة رجْعُ وجع و أنين، صادر من بقايا صوت مبحوح، لأم أو أخت أو زوجة أو ابنة للراحل. هذه الصور، لا تبرح أن تتراءى لي، بالعشرات، حين أودّع راحلاً، صديقاً، قريباً، أو شهيداً بعمر الورود، وأقرّ وأعترف، كل مرة، أن الموت حق .
في فترات عدة، كنت أرهبُ سيرته، أتهيّب مجيئه، أخاف على المقربين مني، أن يمسّهم، ويأخذهم هكذا، فجأة. أذكر أني في منتصف ليلة خميس بعيدة، ذهب أبي برجليه إلى المشفى، وفي أقل من نصف ساعة، وبخطأ طبي، عاد في نعشٍ .
فيما بعد، أردتُ أنْ أخرجَ من هذا الخوف، الساكن في خيالاتي. فصرتُ أقرأ عنه،وأيضاً، أتجرّأ وأكتب عنه، ممازحاً ومداعباً وضاحكاًفي وجهه،. وصرت أتردد على مقبرتنا، في (الفاروس)، وأجالسُ (الذي صار صديقي:حفار القبور). نتحدث، عن الحياة والوجود، وعن أصدقائنا الموتى، ومرات نضحك، ونحن في حضرةِ قبور، فيها ناسٌ ، كانوا من لحم ودم وأمنيات .  
قال لي مرة، (هي لحظة، لابد منها، وهي آتية، سيأتي حفارُ قبور، غيري، حتماً، وسيحفر لي حفرتي/ بيتي الأخير، وبلا مقاومة، سوف يُواروني فيها) . وهكذا كان، وتحققتْ نبوءته .
حتى أني أطلقتُ (نظرية فلسفية مدهشة)، أظنّ، لا أفلاطون ولا سقراط ولا نيتشه، استطاعوا التقاطها. أوجدتُ هذه النظرية، كي أتقبّل أو استوعب، أنني، سأكون يوماً ما، ضيفاً عزيزاً بين يديه. هذا الذي لا ينسى أحداً أبداً !! لأن من ضيوفه، ومنذ مئات آلاف السنين، أهم الشخصيات . عظماء الفراعنة أنشؤوا الأهرامات كقبور عملاقة، ليدفنوا فيها مع مقتنياتهم، التي رافقتهم إلى حياتهم الأخرى . .
(نظريتي) تقول الآتي:
أنا الآن، مثلاً، في مرحلة الكهولة، طيبْ، إذا رجعتُ بشريط الذاكرة، بحيث أكرجُ معه، بشكل عكسي، سنة بعد سنة، إلى مرحلة ذروة الشباب، ثم الشباب، واليفاعة، والطفولة، إلى اللحظة التي كنتُ فيها (جنيناً) وما قبلها، حين كنت (نطفة)، أوخلية صغيرة جداً، لكنها نشيطة، تتصارع مع ملايين من الخلايا، لتفوزَ بجائزة (الحياة)، وحينها، حتماً، كنتُ لا شيء، نعم، أنا كنت لا شيء، كنتُ مجردَ خلية حيوانية، في نطفة، إذن، لماذا أخاف ؟، إذا أنا لاشيء، فلأشطب كلياً، على كل المراحل، وأعودُ إلى (اللاشيء)، الذي كانت منه بداياتي، ومنطلقي. فلماذا أحزن على رحيل (خلية) بهيمة، كنتها؟؟خلية لا تعرفُ شيئاً عن الحياة، ولا عن متعةِ الحياة، ولا عن روعةِ الحياة، وكذلك لا تعرفُ شيئاً،لا عن الموت، ولا عن الوجود . .
إنها لحظة التأمل، على شطآن الوجود. إنها لحظة الذهول، على ضفاف العدم .

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة