لا تمروا في هذه الأسواق مالم تتحصـّنوا ضد الشراء منها

العدد: 
8989
التاريخ: 
الأربعاء, 8 تشرين الثاني, 2017
الكاتب: 
خديجة معلا

 أوّل ظهور لها (على الأقل بالنسبة لي ) كان منذ يومين ،عندما استلمت دفعة مالية فوجئت بها من فئة الألفي ل0 س ، غمزت في قناتها ، حملتها كانت خفيفة الوزن ثقيلة الوقع .
 كانت إصابة قدمي قد أخذت مداها حتى تماثلت للشفاء ، بعد أن عزلتني بشكل شبه كامل عن عالمي الخارجي لمدة لم تقل عن الشهرين والنصف .
 تمشّيت في أسواق اللاذقية : هنانو ، 8 آذار ،الأميركان ، العبّارة ، العنََّابة ،غريبة كنت ، شعرت أنّي قد استفقت للتّو من غفوة أهل الكهف مع أنّ غيابي لم يطل ، أو لعلي فقدت ذاكراتي القريبة ، وعدت إلى زمن ما قبل الأزمة ، أو . . لا أعلم ما الذي فسّح للدهشة كي تأخذ مكانها في داخلي.
 المحال لم تنقص محلاً أو تزدد آخر ،والأسعار لم ترتفع عن هوجّتها بداية كل شتاء .
مدينتي الصغيرة لم ترتد ثوب الفقر ،المشهد العام لا يوحي ، بهذا الناس ،المارة ،المتسوقون ، لا أحد منهم يخفي تحت معطفه ثياباً ثملة ممزقة ،جميعهم ينظر شزراً الى واجهات المحال ، قلة منهم تنصرف وكثيرون لا يغل أيديهم ضيق الحال ، ولعله  على ناس وناس ،ومن ليس معه لا يلزمه وربما لامناسبة له بداية موسم الشتاء للنزول الى الأسواق حتى الفضول لا يجد مكاناً بين أولوياته .
لا تمروا في تلك الأسواق


 أسواق اللاذقية تتنازع فيما بينها الزبائن ،الواجهات لا تبخل بالعروض ،والتجار يجيدون اللعب بالبيضة والحجر ، أما نحن فمسلوبو الإرادة أمام صرعات الموضة .
 لا تمروا في تلك الأسواق ، مالم تتحصنوا ضد الشراء منها ، الإغراءات كثيرة وأدوات الشرط تكاد لا تترك فعلاً تهمون القيام به إلا وتجزم منعه  ، المحظورات كثيرة ، الراتب لا يكفي كفاف العيش فما بالك بالرفاهيات ، وأي رفاه هذا ، زوج أحذية أو بدل جديد ..!
 تشتري من ( البالة) وعينك تتطلع على المولات ، العين بصيرة واليد قصيرة غير أنك  قانع راض .
 في طرف جيبي كانت تقيم  عدّة وريقات دحرجتها بين سبابتي وإبهامي مراراً لم يزد عددها كانت فئة الألفي ل0س تطبق على أنفاسي، فئة الخمسمائة تشعرني أني من  الأغنياء عداداً والألف أقل أما الألفين فتحبطني كيف السبيل وما بحوزتي لا يغطي ثمن أزرار في جاكيت من الماركات التجارية وهذه شر حذرته منذ بدء الأزمة أما العبّارة ذائعة الصيت بالألبسة المهرَّبة  فقد سقطت سمعتها مع ازدياد شعبيتها وتحولها إلى بازار هرب منه زبائنه وفضّل عليه سوق هنانو الذي هو أهون الشرين غير أنه لم يرتق كمستوى إلى ذوق شريحة المجتمع المخملي .
 في العنّابة والسوقين المقبيين يجد فقير الحال ضالته ، الجودة أقل، الأسعار أقل ، الازدحام أكثر  عليهما ينطبق المثل القائل « حصيرة الفقير أغلى من سجادة الغني»  تنتعش الأسعار المشبوكة على البضائع المتدلية على الواجهات أو التي تطفح بها العربات لكنك سرعان ما تحبط من الجودة، ويبقى أي شيء أفضل من لا شيء.
هنا فقط فئة الألفي ل .س تفعل فعلها ويمكنها ان تخرج متباهية أنها بقطعها المنفردة تستطيع شراء « فيزون ولادي» دون أن تتحالف مع نفسها أو قريباتها من فئات الـ  500والألف ل. س لكنها ومعها خمسة من مثيلاتها بالكاد تستطيع شراء جاكيت نسائي من هذه السوق المسكينة ، صحيح رضينا بالغلب والغلب لم يرض بنا .
 ومن قال هذا، وهل هناك أجمل من الاستمتاع بالنظر إلى واجهات كبريات المحلات في المدينة  الجاكيت بـ 75 ألفاً والبلوز النسائي بـ 10 آلاف والأحذية تتدرج حتى 20 – 25 ألفاً وربما أكثر طبعاً نحن لم نقترب بعد من حرم المجتمع المخملي فلهؤلاء محالهم التي لا  نعرف طريقاً إليها، وسنغض النظر عن الأسعار ونلتفت للموضة والجمال فهما النقيضان اللذان يجمعان الجنة والنار.
 لم تعد تعرف للبضائع هوية ولا منشأ، حدسك أو خبرتك قد تخيبك أو تجنبك شرك الغش، موقع المحل وتحضره والبذخ عليه أدوات الإقناع الرئيسة بالسعر أما شهادة صنع في.. فهذه كذبة لا تفضحها سوى إجازات الاستيراد وأنَّى لك ان تتحقق منها فأنت عابر محل وزبون  طيَّار هيهات إن تتحول لزبون دائم لأنك لا تشتري جديداً إلا في المواسم، وهذا الموسم على ما يبدو سنقضيه  ترحالاً نكتب عن سوق ونستشهد بجماله بالكلمات؟! .

الفئة: 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة