مهرجان عين البيضا الثقافي الثالث عشر.. بيادر وأعراس قرية لا تنضب

العدد: 
8970
التاريخ: 
الخميس, 12 تشرين الأول, 2017
الكاتب: 
هدى سلوم

في الهواء الطلق شهق صيحة الحياة الأولى، وعلى اتساع ساحة القرية وقع خطواته رسم وتشكيل وشعر، وعلى مدى عشرات السنوات نثر عطره حباً وجمالاً ومعرفة ..
مهرجان (عين البيضا) الثقافي، تقليد سنوي سعى إليه ناسه، فجاء احتفاء بالطبيعة وألق تشرين، على بيادر القرية وأعراسها التي لا تنضب، والذاكرة على ذلك تشهد .. 
بعد أن شيّد المركز الثقافي بالقرية وتمكن، انتقل المهرجان إلى رحابه، لتبدأ رحلته على  قطار السنوات تحصى .. 

تحت رعاية وزارة الثقافة مديرية ثقافة اللاذقية أقام مركز ثقافي عين البيضا وبالتعاون مع مجلس البلدة مهرجان عين البيضا الثقافي الثالث عشر، حيث كانت أولى فعالياته زيارة متحف برهان حيدر للتراث الشعبي، والذي بات معلماً أثرياً وسياحياً وثقافياً للبلدة، ومنحها المكانة والأهمية والوقع الجميل في الذاكرة والبال، لما يحمل في جعبته من حكايا وأناشيد الأولين والأجداد، ويحفظ ذكرهم . . 
 الكاتب حيدر نعيسة أشار إلى أنه جاء ورفاقه (ملتقى الدعتور الثقافي) بزيارة إلى متحف برهان حيدر والذي صادف فعاليات اليوم الثاني لمهرجان عين البيضا، فقال: أذهلني الحضور الجماهيري الواسع من مختلف الأعمار بما فيهم أمهات وجدات وشباب وأطفال، وكانت لنا إطلالة على إنجاز فيه الإعجاز، الذي ضم في مساحة ضيقة معالم وملامح الماضي، بعالم القرية الطيني ما قبل الإسمنت والإسفلت، تلك المعالم التي تجسد حضارة قرية حقيقية، حيث استطاع الفلاح إيجاد وإبداع الحلول لكل مشاكل العمل والحياة، من محيطه القريب مبنى من حجارة المقلع، وسقف من خشب الغابة، وجبل الطين من الحاكورة القريبة، لقد نسج العود بالعود، والقشة بالقشة، وهذه هي إحدى تجليات الإبداع، حيث الحل البسيط لمشكلة بسيطة، تصادف الإنسان في مسيرته الساعية إلى تأمين حاجاته في العمل والحياة، إنه جهد مؤسسة أكثر مما هو جهد فردي رصد له وقته وجهده وعمله سنين طوال، وعليه فإن الشكر له أقل من الجهد الذي بذله، الأمر الذي يستدعي تقديم الدعم اللازم له، وتسجيل هذا المتحف على الخريطة السياحية، التي تضم المواقع السياحية التي تزار ضمن الساحل السوري .
(أنت فقط) عنوان أمسية موسيقية, وحوارية جدلية بين البزق (الفنان حسين ابراهيم) والغيتار (الفنان بشار نظام) في إيقاع جميل وألحان عذبة، أسلمت لها نفوس الحاضرين، وانغمست في مقاعدها، وذاع فيها الصمت والهدوء .
 الشاعر والملحن غياث محمود أشار إلى الحضور الأنيق والمهذب للفنانين، ونوه إلى أن هذه المعزوفات من تراث الحسكة، تضمنت تقاسيم إيقاعية وأخرى غير إيقاعية، وكان تفاعل الجمهور جيداً، حيث أنصت لآلة البزق وهي آلة موسيقية جديدة عليه، ويقل وجودها بل يندر في بلدتنا، فما كان إلا التصفيق الحار .
وفي اليوم الثاني للمهرجان اعتلت منصة المسرح فرقة طيور الجنة السورية، كان فيها كثير من المسابقات والمنافسات و التسلية والمرح، في عرض منوع للأطفال، الذين هرعوا من القرى القريبة للبلدة لملاقاة فرحهم، واكتظ المسرح بضجيج وجمال طعمه سكر .
أوديت محمود ـ صف سابع، وابنة عمها رؤى تخرجان من المسرحية وسط عجقة الأولاد، تطيران بجناحي فرح وسرور، اقتربت منهما، لأحظى ببعض الأجوبة، فكان أن أشرقت الابتسامة على وجهيهما، لتسكبا من دفئها ووهجها لحناً على مسامعنا، هما تعزفان على الكمان، وقد حبا على ذلك، داخل بيوت تعبق باللحن والموسيقا، تشير أوديت إلى أنها حضرت جميع فعاليات المهرجان، الموسيقية والمسرحية أيضاً, يعجبها المهرجان الذي تجده كأيام العيد، تتعرف على أناس جدد وتطلع على تراثهم وثقافتهم وألحانهم كما في الأمسية الموسيقية، كما شجعت فريقها في تنافس الأصدقاء لفرقة طيور الجنة، وهي رائدة في مجال العزف والغناء، تحب المنافسة ولا ترضى بغير الفوز .
أمسية شعرية جاءت ضمن فعاليات اليوم الثالث، وكان أن قدم لها الأستاذ برهان حيدر، فقال :
إذا كانت سنابل القمح المتموجة بجدائلها الصفراء تحاكي لون الشمس، وتنشد لحن الخصب والحياة، وتبعث الفرح مع كل نسيم يموج بها في حقول الطبيعة الغناء، فإن قرائح الشعراء ما زالت منوال عطاء، يحوك بردة المنى وينسج وشاحاً موشاً بألوان البديع، ويرسم بصوره التي تعكس بعضاً من معين أنفسهم التي جبلت بعجينة الإحساس المتجدد . .
من المشاركين نذكر كل من السادة الأدباء:
القاص سعيد فاضل، ورداً على الفكر الداعشي، قرأ قصة بعنوان (لن أصلي) ومنها:
طيور ساجدة تسبّح بحمد الله، طقوس الصلاة هذه كانت تتكرر كل صباح، قبل أن تستعد للطيران والملكة تعظها وتمنحها بركاتها السماوية، وتقول لها: (طيري بأمان) أمنحك بركاتي السماوية ليباركك الرب ليبعد عنك الأشرار، أدعك في حفظ الله، وعندما تنهي الصلاة كانت الطيور تطير وهي واثقة أنه لن يعترضها أي مكروه، وإنه لن يصطادها أي صياد، إلا أنه في كل يوم كان عدد القتلى يتزايد، والصيادون ينتشرون في كل مكان كبعوض المستنقعات . .
الشاعر صالح حداد ـ ألقى عدة مقاطع ، وفيها يتغنى بالأمجاد،ويعزف على أوتار الوجع ، قصائد لولده الشهيد أيهم ورفاقه ، على شفاه الصبح حمرة وورد :
أعطى الأحبة للعلياء موثقهم          وواثق المخلصين الله والقدر 
قد عاهدوا الله ألا ينثنوا أبداً           إما الممات، وإما النصر والظفر
أعلام عصر لهم في كل مكرمة        ألطاف ذكرى على الأيام تنتشر
شذاً رهيفاً من رجولتهم         يهفهف العطر من أردانها الزهر 
فلتهنؤوا يا رجال الشمس موعدكم           سحر الجنان وطيب العيش والسمر 
الشاعر المهندس هيثم بيشاني مزج بين الغزل والوطن والطرب فجال على مسرح جماله وصخبه، ورشف قهوة المساء، وفي البعد الخامس قال :
للحيز المشغول حجم ثابت         طول وعرض وارتفاع بائس
وأقرت العلماء بعداً رابعاً       أطرافه . . زمن الحدوث تلامس 
يرقى الشعور به إلى تعريفه معناه     فالإحساس بعد خامس 
الشاعرة زين خضور  قدمت قصيدة واحدة بطابع وطني:
وأنت تشرين على عادتك . . وضاح وجهك 
وبهاء طلتك . . وثناء الجبين 
مدى تمدى وأنهار المستحيل
وفي وجدان جدتنا طفلة . . تداعب الخطى
تراها كانت تجهل . . أم أنها أمست 
من مساء أمس لا يستكين
لتشرين سادس الأيام . . قبلة المشرق وصحوة التاريخ  
الشاعر علي شيخ عبيد ألقى بعض شعره باللهجة المحكية:
أمي . . يا هاك الجبل بزنود 
يا هاك السهل . . المرشوش ع بسمو ورود 
ويا ضحكة صبح . . من ليلة شتي
ويا دفا عابق بروحي . . ع صدر كانون 
أمي يا بهجة فجر . . 
الملحن والشاعر غياث محمود بدأ مواويله من أريج الماضي الحافل بالفرح وذكريات تموج في البال، ويترحم على ابن بلدته الشاعر سعيد حمود، وأتى علينا بالفصيح والزجل  :
ع ضيعتنا عرجوا الغوالي . . بضيعتنا في خيمة وعرزال 
بضيعتنا قصيدة وموال . . وغناني اللي ع البال 
وصولة الخيال . . وغيمة فوق تلال . . بضيعتنا 
وجاء ختام المهرجان بعرض فيلم (أنا وأنت وأمي وأبي) إخراج عبد اللطيف عبد الحميد. عرض هذا الفيلم مراراً، وتكراراً نال الإعجاب، وكثير منا شاهده عدة مرات، ولا يكاد يصدق ما يجري في بلده الحبيب من أوجاع وآلام . . حب في زمن الحرب، مع بعض تفاصيل الأزمة السورية، وصوت انفجاراتها في الأحياء ودخانها بين الجدران والأحياء، وشظاياها في البيت الواحد، الأب الأستاذ الجامعي المعارض ، والأم المعلمة الموالية المتشبثة بعائلتها، والجدان الأصيلان العريقان في دمشق والساحل، والولد الذي يدور في دائرتهم فيخرج من سلطانهم ويلتحق بأبطال الجيش العربي السوري 
أحداث تتوالى بين المضحك والمبكي، وأوقات الحب والسعادة تندثر، من  سموم غادرة في لقمة عيش قضت على الحبيبين وتحت التكبير . . 
 

الفئة: 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة