الذكاء العاطفي انسجام.. مع الذات

العدد: 
8969
التاريخ: 
الأربعاء, 11 تشرين الأول, 2017
الكاتب: 
د. رفيف هلال

كان يُعتقَد سابقاً أن الذكاء الذهني هو وحده المسؤول عن التفوُّق البشري، وأنه أمر فطري يُخلَق مع الإنسان، ولا يمكن اكتسابه، لكن الدراسات والأبحاث الحديثة أكدتْ أن الذكاء الذهني وحده لم يكن كافياً لتحقيق النجاح والتفوُّق، بل ينبغي أن يتوافر إلى جانبه الذكاء العاطفي، أي قدرة الإنسان على التفاعل الإيجابي مع نفسه ومع الآخرين بحيث يتعامل مع عواطفه بما يحقق قدراً ممكناً من السعادة لنفسه ولمن حوله. وهذا النوع من الذكاء يمكن اكتسابه وتنميته والتدرُّب عليه، ويرى العلماء أن الذكاء العاطفي هو العامل الرئيسي وراء نجاح الكثيرين من رجال الأعمال والزعماء الكبار الذين أثّروا في حياة البشرية جمعاء وإن كانوا غير متخرجين من الجامعات والمعاهد الأكاديمية العليا وغير حاصلين مثلاً على جوائز وبراءات اختراع.
إن السعي في مدارسنا وبرامجنا التعليمية يبدو موجهاً غالباً إلى تطوير القدرات الذهنية لدى الطلاب، وجعلهم يقتصرون على تحصيل الدرجات والنتائج المُرضية، لكن بالمقابل يتم التغافل عن تطوير القدرات الاجتماعية والسيكولوجية الخاصة بالذكاء العاطفي، وعلى هذا يصبح العديد من الطلاب الناجحين والمتفوقين في دراستهم غير قادرين في كثير من الأحيان على التفوّه بعبارة واحدة سليمة أمام الحاضرين، أو على بناء علاقات اجتماعية مع زملائهم ومع من حولهم.
وللذكاء العاطفي مجموعة من المقوّمات، وهي: الوعي الذاتي الذي يعني تفهُّم الشعور الشخصي ومعرفة الأشياء التي تحفزه والثقة بالنفس، وهناك أيضاً الإدارة الذاتية، وهي تتضمن القدرة على إصدار الأحكام والتأني في التفكير والتحكُّم بالسلوك الفردي وتَقبُّل التغيير والتعامل بمرونة مع المواقف التي تتسم بالغموض، ومن هذه المقومات أيضاً الوعي الاجتماعي الذي يتحدد في التعرُّف إلى شعور الآخرين، وكيفية التعامل معهم وفقاً لاستجابتهم العاطفية، وبناء العلاقات الاجتماعية وإدارتها بصورة فاعلة، والقدرة على الإقناع، والكفاءة في تطوير العاملين ، والاستفادة منهم.
أما بالنسبة إلى أهمية الذكاء العاطفي، فإنها تتجلى في تحقيق الانسجام ما بين عواطف الأشخاص ومبادئهم وقيمهم، وما يُشعِرهم بالرضى والاطمئنان، كما تتجلى أهميته في اكتساب الصحة الجسدية والنفسية، هذا بالإضافة إلى أنه يؤدي إلى توفير حياة زوجية أكثر سعادة ، والتمكُّن من قيادة النجاح في الأسرة، وله دور فعّال في تكوين علاقات وصداقات مرغوبة، ودعم المعاملة الحسنة والاحترام المتبادل، كما يُسهِم في جعل الأفراد ناجحين وظيفياً لكونهم يصبحون أكثر فاعلية في العمل.
وانطلاقاً من هذه الأهمية البالغة ينبغي التنبُّه إلى تنمية المهارات المرتبطة بالذكاء العاطفي لدى الأطفال سواء في بيوتهم أو في برامجهم الدراسية، وهذا الأمر يتم من خلال مساعدتهم في الاعتماد على أنفسهم كي يتمكنوا من اتخاذ قرارات مصيرية في المستقبل كاختيارهم ملابسهم مثلاً وألوان غرف نومهم وألعابهم والكتب التي يحبون قراءتها ، على أن يكون دور المربين متحدداً فقط في الإرشاد وانتقاء الأفضل، كما يجب تعليمهم احترام الذين يكونون أكبر منهم سناً، وتشجيعهم على فن الإنصات إلى الغير بتعاطف كي يتجاوبوا معه ويتحاوروا، ويُضاف إلى ذلك تدريبهم على الاستفادة من أخطائهم وأخطاء الآخرين، وتنمية النظرة التفاؤلية عندهم، وتعليمهم أن يعتذروا إذا أخطؤوا، ومن الواجب أيضاً تهيئتهم لكي يكونوا اجتماعيين من خلال إقامة علاقات اجتماعية مع الجوار مثلاً لينسجموا مع من حولهم وتحفيزهم على التعاطف والاهتمام بسواهم كمشاركة أصدقائهم في أفراحهم وأحزانهم مثل تقدمة هدية بسيطة عند نجاح أحدهم أو زيارة صديق مريض.
إن الذكاء العاطفي إذن حاجة ملحة، لأن انخفاضه يؤدي إلى الشعور السلبي مثل الخوف والغضب والعدوانية وانخفاض الروح المعنوية. وخلاصة لذلك إن هناك قاعدة أساسية تقول: نحن لا يمكننا أن نقرر عواطفنا، لكن يمكننا أن نقرر ماذا نفعل حيالها، فالإنسان ليس بمقدوره أن يعرف متى يغضب، أو متى يقلق، أو متى يحب، لكن بمقدوره أن يعرف كيف يتعامل مع غضبه أو قلقه أو حبه.
 

 

الفئة: 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة