يبرأ جــــــرح السيف ولا يبرأ جــرح اللســــان

العدد: 
8968
التاريخ: 
الثلاثاء, 10 تشرين الأول, 2017
الكاتب: 
ش . ضاهر

في صغري وبينما كنت أقرأ رواية ألف ليلة وليلة لا أنكر بأنني كنت أقف مذهولة من ذكاء شهرزاد في قوة حبكها ودهاء سردها لقصص كانت ترويها لشهريار أنجتها من ظلم سيفه، أما الآن فاعذريني شهرزاد تبين لي أنني كنت فقيرة تجارب لا ألمّ بأغوار النفوس، وخفايا أفكار وظنون البشر... قد سبقتك نساء أيامنا هذه بأشواط عدة فألفن آلافاً مؤلفة من حكايا الناس دون الحاجة لخوف من سيف شهريار بل رجع الفضل لفنجان القهوة الصباحية والمتة المسائية في تنحيتك عن عرش أدهى وأذكى سيدة تسرد قصصاً غريبة.
أنا لن أبخس حقك شهرزاد وددت لو استطعت أن أدعوك إلى إحدى جلساتنا النسائية، فتحتسي معنا كأس متّة، وتسمعي حكايانا الغريبة، لأنني واثقة أنك ستنخي على ركبتيك حمداً للّه أن شهرياراً لم يلتق بأي منهن، لأنهن من كل بد كن سيسرقن مجداً خلدته في بطون كتب التاريخ.
ساورني سؤال بطيف يبحث عن إجابة كلما رأيت مجموعة تصيح بلا مغزى، وتحاور بلا هدف، أو تناظر بلا مضمون.. فأقول في نفسي: لماذا تستهوي دوامات الثرثرة والجدل العقيم لأفئدة كثيرات منا؟ رغم أن طرحها مُر، وحصادها شوك وخصومات وبحّة في الأصوات.

       

يقول المثل: الله يجيرنا من شر جمعة النساء... فكيف إذا تتالت تلك الجمعات بصباحات مع فنجان القهوة الصباحية؟ لتتفتق المواهب والفلسفات الوجودية عند كل منهن بما احتوته تجاربها الحياتية من حكم ومعارف دون أن تدرك إحداهن أنّ الوصول إلى سدرة الحقيقة والحكمة يحتاج إلى سبر أغوار أمورٍ كثيرة في هذه الحياة.
وحتى تتضح الأمور في رأيي كان لا بد من الفصل بين كلام يفرضه عقل وفكر، وتمليه حكمة وموازنة، وبين ثرثرة يفرضها جهل وحسد وغيرة تمليها غريزة هي أقرب لحب الشر منها إلى النصيحة..
ولكي أصل إلى النتيجة المرجوة في غربلة المواقف وفرزها كان الجلوس إلى مجموعة من نديمات القهوة وصديقات النرجيلة كفيلاً بإصابة الهدف، وهذا ما أحببت أن أعرضه على قرائي بعد الاعتذار منكن سيداتي، فليس مبتغاي تصيّد السقطات والأخطاء، وادّعاء الحكمة بينكن، لكن المبتغى هو مراجعة النفس ومحاسبتها والتحول من الخطأ إلى الصواب.
فكانت لي هذه الوقفة مع بعض النساء اللاتي عايشن تناقضات بنات جنسهن في إبداء النصيحة دون أن توافق أي منهن على ذكر اسمها أو اسم مقدمة النصيحة الذهبية لها، حرصاً منهن على تفادي وقوع أي مشكلة بينهن وبين من قد تكون من أقرب صديقاتها أو جاراتها.
فتخبرنا إحداهن ممن عرفت بعلاقتها المميزة بشريك حياتها بأنها وفي جلسة نسائية، كان الأزواج فيها محور الحديث، وبينما كانت تستمع إلى صديقاتها وطريقة تعامل أزواجهن معهن، انتابها شعور بأنها سيدة مغفلة، وأن ما كان يدّعيه زوجها من حبّ وإخلاص لها ما هو إلا النذر اليسير مما يقدّمه أزواج صديقاتها لهن، فعند ذكر إحداهن أنها في كل مرة تتشاجر مع زوجها لئلا يسجل ما يقوم بشرائه من العقارات بإسمها، لملل أصابها من الذهاب والإياب للعقارية، تقول صاحبتنا أنها في لحظة بعيدة عن العقلانية شعرت بالغيرة من صديقتها، فاتجهت إلى البيت مباشرة لتوقع نفسها في خلاف مع زوجها لأتفه الأسباب والمسكين كان كمن يقال فيه (يا غافل إلك الله) وبعد فترة زمنية علمت بأن صديقتها لم تكن تملك بعد حتى ثمن آجار شقة انتقلت إليها بعد عودة أخوها من خارج البلد وتركها لشقته التي كانت تدعي بأنها تملكها.
وتكمل قائلة: المشكلة إننا لم نعد نعرف من التي تقدم نصيحة خالصة في الصدق فقد تعرضت لموقف تعدد الوجوه في الرأي في نفس الجلسة عدة مرات وكان آخرها عندما ذكرت إحداهن أن زوجها نكدي الطالع، وأن صوته الصباحي بات يشكل أزمة نفسية لها ولأولادها، فصباحهم دائماً يبدأ بنظرات أقرب لنظرات الوزّة يتبادلها الزوج والزوجة، وشكوكها الدائمة حيال عمل زوجها تنصبّ بأنه على الأغلب يعمل طنبرجي بعد نهاية دوامه الرسمي كمدير لمؤسسته، فما أن أنهت كلماتها حتى انهالت النسوة لكماً ولطماً وسبّاً وشتماً بأزواجهن، إلى أن دخلت جارتنا في البناء لتنفي تهمة النكد عن الرجال، وترجع صياحهم وصراخهم إلى حماقة زوجاتهم في التعامل معهم. كم كانت دهشتي كبيرة عندما تحولت الجلسة بظرف ثوان معدودة في عد مآثر فقيد كل منهن؟  وكأن من تحدثن عنه قبل قليل لا يمت بهن بصلة.
أما أم فراس وهي موظفة في إحدى الدوائر الحكومية فتقول: الغيرة شعور يولد مع الإنسان، أو بالأحرى لن نعرف معناه الاّ حين تهبّ فينا نيرانه الحارقة، وتستيقظ في رأسنا أفكار لم تخطر لنا يوماً في بال، ونشعر بالطاقة السلبية التي قد تدفعنا إلى تصرّفات مجنونة، وبعدها سنكتشف أنّ شعورنا ما هو إلا الغيرة، اذكر عندما ابتسم الحظ لابنتي وتقدم لخطبتها شاب من أسرة ميسورة، لم أكن أعلم أن الغيرة قد تطال الأبناء والبنات أيضاً وبحكم أنها كبرى بناتي ولا أعرف كيفية التصرف بت استمع لتجربة زميلاتي في العمل مع أصهرتهن، المشكلة تكمن بأني لم أعلم إلا بعد فوات الآوان أن إحداهن لم تصدقني قولاً فيما قدّمه زوج ابنتها لها، بل غالت في الوصف حتى شعرت بأن الشاب غير جدير بابنتي وتم رفضه.
أما الآنسة هدى فتقول: زميلتي في العمل تعاني من داء الثرثرة طوال الوقت، ولا تتوانى عن تقدیم نصائح إلى كل المحیطین بها معتبرة نفسها موسوعة اجتماعية وعلمية، اجتماعية سياسية، رغم أن معظم معلوماتها خاطئة، والطامة الكبرى أنها ذات لسان طليق، تبثّ من حولها مشاعراً مقنعة بأنها محبة وتهتم لمشكلات صديقاتها دون أن تظهر معاناتها المريرة من الغيرة المرضية التي تملأ أيامها سواداً، فتقحم نفسها فيما لا يعنيها، وتتدخل بمشاكل الموظفين مدعية محبتها لهم، وتقوم بسرد قصص الأشخاص الآخرین دون الاكتراث بخصوصیاتهم، وعلى الرغم من تذمر الغالبية منها إلا أنها لا تتوانى عن الاستمرار في الطعن في آراء الآخرين، والنيل من سمعتهم وكرامتهم، دون أن تعلم أن سبب ثرثرتها في الغالب هو إخفاء لعقدة نقص تعاني منها، فتقوم بإسقاطها على الآخرين بكثرة الكلام عنهم، وأنا لا استغرب وجود هذه الصفة عند زميلتي، فقد كانت سبباً في تفشّي الكره والبغيضة لدى الكثيرين من أصدقائها، وصفة الثرثرة صفة لصيقة بعائلتها، فقد نشأت في محيط أسرة بلورت فيها تلك السلوكيات، فالثرثار لا يولد ثرثاراً بل هي صفة يكتسبها من تربية أهله عن طريق التقليد ومنذ سن مبكرة، ولو اقتنع كل امرئ في الحياة بأن له دور عليه تأديته، وعرف حدوده، لما وجد مناسبة للثرثرة والجدل، لأن العمل يغني عن الجدل.
وتضيف صديقتها الآنسة رولا: تتأثر الكثير من النساء بما تسمعه من صديقاتها وشقيقاتها أو جاراتها، فتسقطه على حياتها اليومية دون أن تشعر أن تصرفات فجائية قد تولدت عندها لدى سماعها لقصص قد تكون مفرغة من الحلقة الأساسية فيها، فتأخذ بها بكل طيب خاطر، وتقرر أنها لن تكون الضحية التالية متحصّنة بتصرفات متهورة بعيدة كل البعد عن المنطق.
إحساسنا كجنس لطيف بالضعف وقلة الحيلة، يدفعنا إلى عدم تخزين هذه المشاعر بدواخلنا، وإخراجها على هيئة نقد وسخرية غير مباليات بمشاعر الأخريات بدلاً من أن نرتبط ببعضنا البعض، وتدعم كل واحدة منا الأخرى.
أذكر جيداً عبارات الثناء والإعجاب التي انهالت على إحدى نسيباتي من صديقاتها إثر خضوعها إلى عمل جراحي تجميلي، بينما كان تعليقهن بعد غيابها عن مجلسنا بأنها أشبه بمن خرج من القبر بكفالة لقبحها، مع أن إحداهن لو شاهدها دارون لرقص فرحاً باكتشاف حلقته المفقودة.
 إن الله جميل ويحب الجمال لكن سر محبة الإله للجمال في مخلوقاته البشرية منزّه عن الخوض في صفات شكلية ظاهرية مؤقتةٍ زائلة، فحين خلق الله الإنسان على صورته كان المقصد صورة الإله السرمدية المتمثلة في صفات فطرية ليس التسامح والمحبة أولها وليست الرحمة والإيثار آخرها، وعندما تتوافر الثقة في النفس وتتضافر مع شيء من التفكير والعقلانية يستطيع كل فرد منا أن يخرج الجمال المتجلي في صورة الإنسان الإله بعيداً عن مرض الثرثرة المنتشر حالياً، والذي لا يدرك خطورته إلا العقلاء الذين تساوت عندهم حالة الصمت مع حالة الكلام، أو الحكماء الذين ينقشون بالصمت أروع الكلمات، ويصنعون بالصمت أجمل المواقف، وما أحوجنا بأيامنا هذه لمثل هؤلاء.
السيدة ريم كان لها رأيها في مجالس النساء فأضافت: أم الكوارث بجلساتنا إذا ذكر اسم أحدهم أو إحداهن بأنه غارق في حب ذاته... ما لا أفهمه لماذا لا تحاول بعضهن أن تنظر إلى الموضوع من كافة جوانبه، بل تكتفي في تبني وجهة نظر شخص قد يتصف ببعده عن العقلانية والمنطق؟ فتتخذ الكثيرات من السيدات موقف المهاجم من ذلك الشخص حتى لو كنّ على دراية بأخلاقياته وسلوكياته، دون أن يعلم متعوس الحظ ممن أصابه طنين في أذنه حتى الغثيان أن هناك مجموعة من النساء تشرب المتّة، وتضرب بعرضه عرض الحائط، لتبدأ حفلة الشتائم بأنه شخص يحب من أجل ذاته، ويكون من يحبه مجرد خادم للذاته.. هو لا يحب الغير من أجل الغير، وإنما يحب من يشبعه في ناحية ما.. يحب من يمدحه، ومن يقضى له حاجياته، أو من يحقق له رغباته... فهو في الحقيقة يحب ذاته
لا غيره. وما حبه لغيره سوى وسيلة يحقق بها محبته لذاته.... وبعد انتهاء لجنة المحاكمة اذا صدف وسألت إحداهن ممن انهالت ضرباً ولطماً بشخصه، هل تعرفينه بشكل شخصي؟ يكون ردها البليد: (لا بس المكتوب مبين من عنوانو)..! والله أمركم عجيب يا بني قومي!
والمادة الدسمة والتي لن تحاول أيّاً من بنات حواء أن تدير ظهرها لها هي عندما تستشعر إحداهن أن احدى صديقاتها ممن كانت أوضاعها المادية سيئة، قد فتحت لها أبواب السماء وبالعامية ( قلها الكريم خدي)...واستطاعت أن تمسك ممسكاً عليها من إحدى جاراتها، التي غضب القدر عليها في يوم ما، و اضطرها لاستدانة فستان من عندها يقضي لها عوزها إثر دعوتها إلى حفلة زفاف فجائية لأحد أقاربها، ...لن أخفيكم سراً ستكون سيرة فستانها سيرة تنافس سيرة أبو ليلى المهلهل... يا جماعة قال تعالى: وفي السماء رزقكم وما توعدون... ما بالكن نسيتن أن الغيرة هي نصف الموت؟
وتعقب السيدة لميا قائلة: عندما يتمحور الحديث عن الأطفال تعتري المستمع الدهشة لأن أبناءهن جميعاً  الأوائل في صفوفهم ويمتلكون ذكاءً خارقاً ورثوه عن أمهاتهم وحكمةً ورثوها عن آبائهم قد تشوبها بعض الهفوات التي تدخلت جينات عماتهم في وجودها لديهم لكن حذاقة أساليب التربية لديهن كفيلة بتقويم أي اعوجاج قد ينشب من ( شرش بيت الحما ) ناهيك عن التغني بأدب أبنائهن وحسن ترتيبهم وهدوئهم ، هذا النقاش يدور في اللحظة التي تتناهى إلى أسماعهن أصوات أطفالهن  في الخارج يتبادلون أحدث ما توصل إليه فن السباب والشتم أثناء لعبهم الطفولي البريء، وكما أرخت أزمة الحرب بظلالها على كافة مناحي الحياة في مجتمعنا كان من الطبيعي أن يكون لمجالس النساء حظها الوافر منها لاسيما أن منابر الفضائيات امتلئت بالمحللين الاستراتيجيين والمفكرين الجيوسياسيين الذين ظهروا فجأة كما تظهر الكمأة أو «الفقيع» في الليالي المرعدة على صفيح الصحراء.
أخيـــــراً
مع اشتداد الأزمة امتلك الرجال صلاحية اختيار القنوات بأجهزة التحكم فاضطرت النساء إلى متابعة الفقيع السياسي طوال الوقت في التلفاز الأمر الذي انعكس «فقيعياً» على مجالسهن فتلك ترى أن الأزمة أعادت الخارطة السياسية إلى المربع الأول والأخرى تتنبأ بالوصول إلى مفصل انعطافي جذري  بينما تلتهم الثالثة صحن الحلوى أمامها مؤكدةً أن سياسة العصا والجزرة لم تعد تجدي نفعاً عند الأمريكيين وتشدد رفيقتها أن أعداء اليوم أصدقاء الغد أمر وارد في مجريات الأحداث وتبقى إحداهن ملازمةً  للصمت لتفجر في نهاية النقاش قنبلتها الحارقة الخارقة: أنا أرى أن الواقع السياسي تطبيق صارخ لنظرية وحدة صراع الأضداد!! هنا يسود صمت لايعكره إلا صوت قرقعة المتة.

 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة