القانون الدولي الخاص ( تنازع القوانين )

العدد: 
8957
التاريخ: 
الاثنين, 25 أيلول, 2017

يعد الزواج من أهم المواضيع في مادة الأحوال الشخصية، ويعكس العلاقات والروابط العائلية التي تشكل المجال الخصب لتنازع القوانين، وذلك نظراً لإختلاف عقائد وخصوصيات الأفراد، ولتشعب هذه العلاقة واتصالها بأكثر من قانون أو نظام، وذلك لأن العلاقات الزوجية الوطنية يحكمها القانون الوطني وحده، أما العلاقات الزوجية المشتملة على عنصر أجنبي فتثير تنازعاً بين القوانين، ويكون من واجب القاضي تحديد القانون الأنسب الواجب التطبيق.
حول هذا الموضوع تحدث المحامي دولات عبد النور بالآتي:
انعقاد الزواج الصحيح يجب أن تتوافر فيه شروط موضوعية وشروط شكلية، وتحديد ما يدخل في نطاق الشروط الموضوعية أو الشكلية متوقف على عملية التكييف، حيث يقوم القاضي بتحديد الطبيعة القانونية لواقعة معينة للتعرف على القانون الواجب التطبيق وهي أول عملية يقوم بها القاضي متى طرح عليه نزاع مشتمل على عنصر أجنبي، إذ يدخل هذا الأخير ضمن النظم القانونية أو فئة من الفئات المسندة في قانونه، للتعرف على القانون الذي يحكم هذه العلاقة .
ووفق المادة 11 من القانون المدني السوري، فإن عملية التكييف تكون وفقاً لقانون القاضي، ويترتب على عملية التكييف اختلاف القانون المختص بحكم الشروط الموضوعية عن القانون المختص بحكم الشروط الشكلية، و فيما يلي سأوضح القانون الواجب التطبيق على الشروط الموضوعية، وتحليل قاعدة الإسناد الخاصة بذلك.
عناصر قاعدة الإسناد:
نصت المادة 13 من القانون المدني السوري ((يرجع في الشروط الموضوعية لصحة الزواج إلى قانون كل من الزوجين)).
وإن كل قاعدة أسناد تنطوي على ثلاثة عناصر وهي المسألة المسندة، وضابط الإسناد، والقانون المسند إليه.
أولاً: المسألة المسندة:
إن العلاقات القانونية المشتملة على عنصر أجنبي لا تدخل تحت تصنيف واحد أو محصورة في فئات معينة، لذلك يقوم المشرع عن طريق قواعد الإسناد بتصنيف هذه المراكز وتلك العلاقات إلى أصناف وفئات مختلفة تسمى كل فكرة أو صنف منها موضوع قواعد الإسناد أو الفكرة المسندة، وتتضمن كل فكرة مسندة العلاقات أو المراكز المتقاربة أو المتشابهة.
فإذا ما عرض نزاع معين أمام القاضي الوطني يتعلق بعلاقة قانونية مشتملة على عنصر أجنبي أو مركز معين فعليه أولاً أن يقوم بوصف هذه العلاقة وتحديد طبيعتها القانونية تمهيداً لإدراجها في الفكرة المسندة الملائمة التي تحتويها وتسمى هذه العملية في فقه القانون الدولي الخاص بالتكييف،
والفكرة المسندة في المادة 13 من القانون المدني هي الشروط الموضوعية في عقد الزواج، ويقصد بالشروط الموضوعية تلك التي يتوقف وجود الزواج على وجودها وينعدم في حالة انعدامها، فهي الأسس الجوهرية التي يقوم عليها الزواج، كشروط انعقاد عقد الزواج (الإيجاب والقبول ، والرضا وعيوبه، اتحاد المجلس،..) وشروط الصحة (صلاحية المرأة للزواج كأن تكون غير محرمة على من يريد الزواج بها، أهلية العاقدين في العقل والبلوغ )وغيرها.
ثانياً: ضابط الإسناد:
وهو العنصر الثاني من عناصر قواعد الإسناد ويعرفه بعض الفقه بأنه المعيار الذي يتم في نظر الشارع أي قانوناً معيناً هو أفضل القوانين بحكم الفطرة المسندة فهو إذن السلطة التي تربط ما بين الفكرة المسندة وقانون دولة معينة، وضابط الإسناد في هذه القاعدة هو ضابط الجنسية.
ثالثاً: القانون المسندإليه:
وهو العنصر الثالث من عناصر قاعدة الإسناد وهو القانون الواجب التطبيق أي الذي تسند إليه قواعد الإسناد حكم النزاع، وهذا القانون قد يكون قانونا ًأجنبياً، وقد يكون هو قانون دولة القاضي، والقانون المسند إليه في هذه القاعدة هو قانون كلا الزوجين وقت إبرام عقد الزواج.
طبيعة ضابط الإسناد:
من الضروري أن يستمد ضابط الإسناد عن طريق أحد العناصر الثلاثة لأي علاقة قانونية وهو عنصر المحل، الأطراف، السبب، لأن أهمية كل عنصر من هذه العناصر تختلف وفقاً لطبيعة أو شكل هذه العلاقة، حيث لا بد من البحث عن العنصر الذي يشكل مركز الثقل في العلاقة، ليستمد منه المعيار الذي يحدد لنا القانون المختص الذي ينطبق على العلاقة ما بين القوانين المتنازعة.  
وطالما أن مركز الثقل في العلاقات الخاصة بالأحوال الشخصية هو عنصر الأطراف لذا كان لا بد من الأخذ بضابط يتصل بهذا العنصر كضابط الجنسية.
على أنه لا تثور أي مشكلة إذا كان الأطراف متحدي الجنسية، ولكن المشكلة تكون في حال اختلاف الزوجين في الجنسية، ولتحديد القانون الواجب التطبيق ظهر اتجاهان لدى الفقه:
•    اتجاه يدعو إلى تطبيق قانون جنسية الزوجين تطبيقاً جامعاً: بمعنى أن الزواج لا يكون صحيحاً من الناحية الموضوعية، إلا إذا استوفى كل زوج الأحكام المنصوص عليها في قانونه الوطني، وكذلك الأحكام المنصوص عليها في قانون جنسية الطرف الآخر، ولكن هذا الرأي تعرض للنقد، لأنه عسير التطبيق عملياً ويؤدي إلى التضييق من حالات انعقاد الزواج المشتمل على عنصر أجنبي صحيحاً، ويجعل العلاقة القانونية مستحيلة الانعقاد بمجرد تخلف شرط من الشروط المنصوص عليها في كلا القانونين .  
•    ذهب اتجاه آخر إلى تطبيق قانون جنسية الزوجين تطبيقاً موزعاً، وهو ما أخذ به المشرع السوري، حيث يطبق الإسناد التوزيعي في هذه الحالة، فعلى الرغم من أن هذه القاعدة تتضمن ضابط إسناد وحيد هو ضابط الجنسية لكلا الزوجين إلا أنها في ذات الوقت تشيرإلى ضابط مركزي حيث إن إعماله قديؤدي إلى تطيق قانونين مختلفين في حالة اختلاف جنسية الزوجة عن جنسية الزوج.
ويستثنى من التطبيق الموزع، موانع الزواج نظراً لخطورتها، لأنها تهدف لحماية الرابطة الزوجية في حد ذاتها، وليس لحماية الزوج أو الزوجة، وبالتالي يطبق على كل طرف قانونه باستثناء ما يعرف بالشروط السلبية للزواج (موانع الزواج) ، حيث يطبق القاضي عليها القانونين تطبيقاً جامعاً أكثر تشدداً نظراً لأن أثر هذه الموانع كالموانع الصحية والدينية يطيل كلا الزوجين بآن واحد.
تطبيق قانون جنسية الزوجين:
 تخضع الشروط الموضوعية للزواج لقانون جنسية كل من الزوجين، في حال اتحدا الجنسية، وفي حال اختلافهما، يطبق القانون السوري ضابط إسناد موزع، فيكفي أن يستوفي كل زوج الشروط الموضوعية المنصوص عليها في قانونه الوطني فقط، باستثناء موانع الزواج يطبق بشأنها الإسناد الجامع.
ولكن لهذه القاعدة العامة استثناء، بقضي بتطبيق القانون الوطني وحده وبالتالي أعطى المشرع الاختصاص بالنسبة للشروط الموضوعية لعقد الزواج للقانون السوري وحده، شريطة أن يكون أحد طرفي العلاقة الزوجية سوري وقت إبرام عقد الزواج ، وعليه إذا تزوج سوري بألمانية،  وثار نزاع بشان القانون الواجب التطبيق أمام القاضي السوري، تخضع الشروط الموضوعية للقانون السوري وحده تطبيقا ًللاستثناء، باستثناء أهلية الزوجة فتخضع للقانون الالماني.
موضوع الزواج المشتمل على عنصر أجنبي يثير مشاكل كبيرة، لذلك سعت الدول إلى تنظيمه قواعد قانونية خاصة، وكما وضحنا فالمشرع السوري أخضع الشروط الموضوعية لقانون جنسية كلا الزوجين، وحسناً فعل المشرع السوري بإسناد الشروط الموضوعية للزواج قانون الجنسية، فهو أولى القوانين لحكم هذه المسألة، وكذلك طبق المشرع السوري الإسناد التوزيعي في حال اختلاف جنسية الزوجين، وهذا أفضل من الإسناد الجامع الذي قد يجعل العلاقة القانونية مستحيلة الانعقاد، بمجرد تخلف شرط من الشروط المنصوص عليها في كلا القانونين .

 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة