الاقتصاد المنزلي اكتفاء بالحاجات الضرورية و تخلٍّ عن الشكليات و المظاهر

العدد: 
8950
التاريخ: 
الأربعاء, 13 أيلول, 2017
الكاتب: 
ريم ديب

 تسود مجتمعنا العربي مشكلات  كثيرة ومتعددة تتعلق بالمقام الأول بالجانب الاقتصادي  الاجتماعي والصحي للأسرة التي تعدّ الوحدة الأساسية والأهم في بناء المجتمع، ومن هنا كان من الضروري أن يدخل اقتصاد المنزل في جميع البرامج التي تتعلق بنمو المجتمع من الناحية الاقتصادية والتي يجب أن تهتم بجميع الفئات والقطاعات دون تميز، الاقتصاد المنزلي يعدّ  في أهم الأمور التي يجب أن ينظر إليها بكثير من الاهتمام والرعاية وخاصة من أيامنا هذه، وفي تعريف سريع للاقتصاد المنزلي وما يعنيه نقول: الاقتصاد المنزلي بحسب رأي الخبراء المختصين هو علم الحياة وهو من العلوم التي ركزت على إمكانية حل مشكلات المجتمع  من الناحية الاقتصادية وكما نعلم مدى اهمية دور خبراء الاقتصاد المنزلي في المساعدة على النهوض ببلادهم حيث أكدوا على أن تقدّم البلاد معتمد ومرتبط جداً بتقدم الأسرة.
 ومفهوم علم الاقتصاد المنزلي الحديث هو أيضاً علم يختص بدراسة احتياجات ومقومات المنزل والبيئة ويهدف بشكل قوي  إلى جعل المنزل مريحاً ويناسب جميع أفراده من كافة نواحي الحياة وجعله سليماً  كي يعيش أفراده في جو يسوده التعاون والحب والاحترام.

في لقائنا مع الدكتورة غيداء سلمان _ الوكيل العلمي للمعهد التقاني في جامعة تشرين ، حدثتنا بداية عن الاقتصاد المنزلي الذي يأتي كحل إسعافي لمشاكلنا و همومنا اليومية ، كما أشارت إلى بعض التوصيات ، فقالت :
يقول المفكر العربي ابن رشد في أحد كتبه و هو الذي عاش قبل ما يناهز الألف عام : إن سبب تراجع الاقتصاد الوطني للدولة في زمانه كان عدم مشاركة المرأة في الإنتاج الاقتصادي، و لكن  الإحصائيات تشير إلى أن حضور المرأة الاقتصادي لا يوازي حضورها الحقيقي في المجتمع كصاحبة عمل ، و هذه الفجوة تعود في جذورها ليس إلى أسباب اقتصادية فقط، بل إلى تمييز اجتماعي غير خاف على أحد ، و لو بحثنا عن دور المرأة الاقتصادي لوجدنا أن المرأة منذ القدم كانت حاضرة في أهم المفاصل التي مر بها المجتمع ، إذ يسجل التاريخ أن العاصمة دمشق شهدت عام 1872 أول مظاهرة نسائية ضد الوالي العثماني ، احتجاجاً على ارتفاع أسعار المواد الغذائية و استمرت شرارة هذا النضال ليصل إلى التصدي للعثمانيين خلال احتلالهم بلاد الشام و تلاها وقوفها جانب الرجل في كل المعارك التي خاضها الوطن ضد الاستعمار الفرنسي ، و هو ما نشاهده اليوم لتبقى المرأة السورية مثالاً يحتذي به العالم أجمع .
 (الاقتصاد المنزلي) مفهوم نتداوله هذه الأيام كثيراً ، ماذا يقصد به ، و ما دور المرأة فيه ؟
الاقتصاد المنزلي أو الاقتصاد الريفي ، و الذي يرتبط عضوياً بجملة العمليات الإنتاجية التي تمارسها الأسرة وتحديداً المرأة التي كان لها الدور الأبرز في رسم معالم تطور هذا الشكل من الإنتاج الذي يقوم على التشارك و التعاون ضمن الأسرة و خارجها ، و هنا ننوه بأن الاقتصاد المنزلي القائم على عمل النساء على نحو كبير أنه، و من الممكن أن يكون بتوظيف المساحات الفارغة لإنتاج بعض الخضراوات وتربية بعض الحيوانات و الطيور لسد بعض حاجات الأسرة لاسيما في ظل ارتفاع الأسعار و انخفاض مستوى الدخل وزيادة معدلات البطالة ، و تابعت :
و لكن الاقتصاد المنزلي لا يقف عند هذه الحدود ، إذ إنه إضافة إلى اشتغاله على تصنيع و إنتاج الموارد الزراعية والحيوانية و تحويلها إلى سلع للاستهلاك الذاتي و التسويق ، فقد تطور ليشمل الإنتاج الحرفي ، حيث نرى بعضاً من تجلياته في ظل الحرب الدائرة و الاختناق الاقتصادي الذي باتت أغلب الأسر تعاني منه ، فقد ظهر شكل إعادة تدوير الألبسة البالية مثلاً ، أو استخدام مواد طبيعية لصنع مواد تزيينية بأقل التكاليف و من ثم بيعها و بالتالي إيجاد مصدر آخر للدخل يشكل رديفاً لدخل الأسرة  . . و أضافت :
نعلم أن الاقتصاد المنزلي كان يعبر في طبيعته عن مرحلة تاريخية سابقة ، و أسباب استعادته في اللحظة الراهنة تعود إلى الأزمة التي يعانيها السوريون ، و بالتالي فإن الهدف من استحضاره هو ترشيد الإنفاق و الاستهلاك و توجيه الأسرة لإنتاج ما تحتاج إليه من مواد استهلاكية أساسية غذائية و طبية بديلة ، و كما يرمي بمستوى آخر إلى التخفيف من النزعة الاستهلاكية المرتبطة بحركة الأسواق  .
هل يمكن تمكين و تكييف الاقتصاد المنزلي و آليات اشتغاله مع لحظة بات يعتمد فيها الفرد على القيم الاستهلاكية ؟
و هل يمكن للإنتاج المنزلي أن يتلاءم مع قوانين السوق الجائرة و السائدة في آن واحد ؟
هنا نتوجه إلى المرأة ، بالعمل على توعيتها و توجيهها إلى تطوير الإنتاج المنزلي سواء المخصص منه للاستهلاك الأسري أو الإنتاج المخصص للتسويق ، و ذلك عبر دورات ترمي إلى تطوير المرأة و على نحو خاص الريفية ، تنمية وعيها و قدراتها الإنتاجية و تمكينها من العمل الحرفي و تصنيع المواد الغذائية من المشتقات الحيوانية و النباتية و تحويلها إلى سلع، مما يسهم في توفير فرص عمل استفادت منها المرأة في رفع مستوى معيشة الأسرة ، و أيضاً أسهم في تدعيم ترابط حلقات الإنتاج البسيط و تمكين التعاون و التبادل البيني ضمن التجمع السكني، أما في المدن ، فإن الوضع يبدو مختلفاً ، فإمكان توفير حيز مكاني لتربية بعض الحيوانات أو للزراعة يبدو صعباً ، لهذا فإن الإنتاج الحرفي ( خياطة ، تطريز ، إنتاج الألبسة الصوفية وبعض الصناعات الغذائية . . ) هو الأكثر انتشاراً ، و في بعض الحالات يجري تحويل المنزل إلى ما يشبه الورش المتخصصة، وتعتمد هذه الأعمال اعتماداً كبيراً على تشغيل المرأة في المنزل، ومن ثم على تسويق ما تنتجه من قبل صاحب العمل، و قد بات واضحاً أن الأزمة التي تعصف بسورية تسهم في استعادة وتطوير الإنتاج المنزلي ، كونه يسهم في ترشيد الإنفاق والاستهلاك ، واستعادة التلاؤم مع معدلات الدخل .
و هنا لا بد من التأكيد على بناء ثقافة استهلاكية جديدة ، تقوم على ترشيد و ضبط العادات الاستهلاكية و الاعتماد على ما يمكن توليده و إنتاجه داخل المنزل ، و كيفية تدوير بقايا المواد و السلع المستهلكة، و الاكتفاء بالحاجات الضرورية و التخلي عن العادات الاستهلاكية التي تتجه إلى الشكليات و المظاهر التي باتت من سمات الأسرة السورية .
_ و ماذا عن أسباب أزمتنا المعيشية ؟
من أهم الأسباب التي تأتي على ما في الجيوب وتجعل صحراء في النفوس: ارتفاع معدلات البطالة، زيادة معدلات الفقر التي وصلت إلى حدود 70 % وجميع هؤلاء يصنفون دون خط الفقر و كل هذا مرده إلى انخفاض الإنتاج نتيجة تدمير القطاعات الإنتاجية وفقدان المواد الأولية و زيادة حدة الاحتكار وزيادة حدة الصراع و زيادة حالات الهجرة من المناطق المشتعلة إلى المناطق الآمنة أو المستقرة نسبياً، انخفاض القدرة الاستهلاكية نتيجة التضخم الذي أسهم في انخفاض قيمة الليرة ، و هذا يسهم في تراجع إمكانية تأمين الحاجات الأساسية (الغذائية، التعليمية، الصحية، والمعيشية الأساسية)، احتكار المواد الأساسية من قبل التجار المتميزين بالجشع وبالتالي تحكمهم في آليات عرض السلع و معدلات الأسعار .
كل ما سبق ولّد ما يسمى الأزمة الاقتصادية و التي جاءت عامة و مركبة و بنيوية ، وهذا يعني ضرورة التأكيد على ضرورة العمل للحد من تداعيات الأزمة على مستوى الاستهلاك الذي بات تراجعه يهدد أمن و استقرار الأسرة ، و تابعت :
لقد باتت الأسر التي تعتمد على دخل محدود أو عمل حر على نحو عام تحت خط الفقر ( فالأسرة المكونة من خمسة أفراد تحتاج إلى ثلاثة أضعاف دخلها الحالي )، لذا فإن ترشيد الإنفاق و الاستهلاك في حالتنا الراهنة ، يعد نتاج أزمة مادية و إنسانية عامة ، لا تستطيع حيالها الأسرة تأمين احتياجاتها الأساسية ، إذ إن متوسط الدخل لا يتجاوز 17 ألف ليرة ، بينما القيمة الوسطية لحاجة الأسرة من المواد الأساسية تتجاوز 60 ألف ليرة .
ما هي معوقات تطوير الاقتصاد المنزلي؟
سيادة الميول الاستهلاكية و تفضيل المنتجات الجاهزة عند غالبية الأسر السورية ، ميل غالبية الأسر إلى رفض فكرة العمل في الصناعات المنزلية ، ارتفاع الأسعار و كذلك انخفاضها يؤدي إلى انهيار كافة أشكال الإنتاج البسيط و ذلك لعدم توافر رأس مال يكفي لدعم المشاريع الأسرية، جشع التجار و احتكارهم السلع الأساسية ، تراجع قيمة الليرة و كذلك الدخل ، تراجع دور المؤسسات المتخصصة عن دعم المشاريع الأسرية ، و لا ينسى القيمون على الاقتصاد المنزلي إشراك الأبناء بهذه المسؤولية وخاصة عند تقسيم الميزانية الخاصة بهم و تحديد بنود الصرف ليخوض الأبناء تلك التجربة وهذا بالضرورة سيحفز الأبناء على الادخار و التوفير و الاستغناء عن بعض الكماليات وخاصة في الظروف الاقتصادية الحالية .
هل من مقترحات و آليات لتطوير الاقتصاد المنزلي ؟
التوجه إلى المؤسسات الدولية الإنسانية غير الربحية من أجل مساعدة الأسرة على دعم و تطوير مولدات الدخل إضافة إلى تقديم المساعدات و توزيعها على نحو عادل و توسيع دائرة المستفيدين ، التوجه إلى تنمية الشعور بالغيرية ، التأكيد على ضرورة و أهمية دور الدولة الإنساني و الاجتماعي و فتح المجال أمام المؤسسات الإنسانية و الجمعيات الأهلية و المدنية، الربط الأسري في إطار أعمال جماعية تساعد على تحفيز الدوافع الإيجابية و تمكين العمل الجماعي القائم على المشاركة، التوجه إلى تمكين أشكال من الإنتاج البسيط في إطار المجموعات الأسرية و تحديداً في سياق الربط المباشر بين المنتج و المستهلك، ترشيد الإنفاق و تقنين استهلاك الطاقة و المشتقات النفطية و المياه و المواد الأساسية ، الاستفادة من المساحات الفارغة في المنزل و تحويلها إلى مصدر للاكتفاء الذاتي ، الاعتماد على الطاقة الشمسية في تجفيف المنتجات الزراعية ( الغذائية ) المعدة للتخزين و التقليل من حفظها في الثلاجات ، اعتماد آليات عمل جماعي في التسوق و العمل و التخزين من أجل خفض معدلات الإنفاق و التكاليف ، تفعيل دور الجمعيات الأهلية في إقامة معارض لتسويق الصناعات المنزلية و يمكن أن تسهم في توفير فرص عمل و توليد و تجديد مصادر الدخل و كذلك تسهم في تعزيز الربط المباشر بين المنتج و المستهلك ، تفعيل دور الجمعيات الأهلية و المدنية من أجل تمكين الورش المنزلية وخاصة في ما يختص بإنتاج المواد الغذائية و السلع الحرفية وتنمية و تطوير بعض الزراعات الصناعية و الاهتمام بتدوير المواد البلاستيكية و تحويل النباتات الطبية إلى مصدر للاستطباب .
 

 

الفئة: 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة