أملٌ يغفو في أحضان العيد

العدد: 
8948
التاريخ: 
الاثنين, 11 أيلول, 2017
الكاتب: 
هدى علي سلوم

قالت: لماذا تسترقين النظر؟ تفضلي، لا أنا لا أسترق النظر، بل أخاف أن تؤذيهم نظرتي إليهم، وتقف غصة في حلقهم، أخاف على أحاسيسهم ومشاعرهم أن تجرحها، كما أخاف عليهم من نسمة الهواء أن تضرهم، لا أريدهم أن يتحسروا أو يخجلوا، لم أكن أنوي أن يراني أحد منهم، ليبقوا آمنين مطمئنين، إنهم أولاد بلدي، أخوتي وأهلي هنا، جاؤوا ليأخذوا طعام وحلوى العيد، والدمعة تجمدت في مآقيهم، والبسمة تومض أحياناً، وتضيع بين الجدران في صالة واسعة، انتظروا.. إحداهن قالت:
إنها تأخرت وقريتها بعيدة، ولم تأخذ حاجتها وترجع عائدة إلى عصافيرها التي ما زال الزغب يكسو أجسادهم ومعداتهم الصغيرة الخاوية، وقد طال عليها الانتظار .
وها قد انفرجت أساريرهم، فقد جاءت الحلوى والطعام، تجمعوا ليأخذوا حصصهم ويرحلوا مطمئنين، ولو كان منه القليل، شكروا الله وشكروا من وهبهم إياه وأعانهم لقضاء حاجة العيد .
ومنهم من جاء متأخراً، ورجع خائباً، ولكنه على وعد جديد أن يأخذ حصة في اليوم التالي، ويعوض له فاليوم كان الطعام قليلاً، والطلب عليه كثير، وجاء أحدهم وهو رجل مسن، ليقول: لقد وعدتني وأطفالي أن يأكلوا حلوى العيد، فرد: بالله ماذا أفعل؟ لم يعد في هذه الصالة وهذه الأكياس والكرتونات من باق لرد أي سؤال ، فاعذرنا يا أبي، وتعال في الغد، كما جاءت امرأة وابنتها، ولم يتح لها السؤال، فالجواب حاضر، والخيبة أتت على كل رجاء، وهنا يعلو صوت  شاب، هذه حصتي يا خالة، والله لن ترجعي فارغة اليدين، لكنها أبت في البداية، واستكبرت على السؤال، وما زالت على حالها، إلى أن أتت إحدى المتطوعات بتلك الحصة، وتوسلتها أن تأخذها، وتأسفت على ما جاء عليه ذاك النهار، وأسرعت ابنتها الصغيرة في حمل الكيس، لتتضح بعض التباشير وما يخبئه لها من لذة تملأ فمها، وتسعد قلبها الصغير .
خرجت بعدها ولم أتلفت إلى الوراء، مشيت وأفكاري تتخبط في رأسي، ماذا يمكن أن أقدم لهم ؟ وهناك جيراني من المهجرين وأقرباء هم بحاجة إلي، فكيف تكون لهم حصة بين هذا الحساب؟ أمشي وحساب وجبر يلتهم طلاسيم فكري، إلى أن فاجأتني إحداهن تخطو بخيلاء وكبرياء، ويبدو أن نظارتها الشمسية قد أبلتها بالعمى، فلا ترى أمامها إلى أن لطمتني، وهي المتحدثة البارعة على الموبايل، ولم يكن منها إلا أن هزت رأسها، والذي يزهو بكل لون وشكل، من دبابيس وربطات، و تكاد تنفجر خدودها من وهج حمرة، كدت أقول أنها من حرقة الشمس، لولا شمسية تغطيها، أما طلاء أظافرها الذي تفننت في رسمه ووشمه بما شع وأضاء، فإنه كان يكفي لإطعام البعض ممن رأيت، هذا أبسط ما رأيته فيها، والباقي أقول أنه يضج ويزخر على باقي جسدها وطولها الفاخر، أما من خرج من سيارته الفارهة، والتي ركنها على حجر الرصيف، غير آبه بمن يمر، ويأبى إلا أن يدعه يمشي في الطريق، فإن بريق سلسلة رقبته، أضلني الطريق، لأرجع بنظرة عليه ولم أسرقها، بل تعمدت إليها، وأبحرت في يده التي غاصت فيها أشياء، علبة سجائر أجنبية وموبايلان ومجموعة من المفاتيح ومحفظة جلدية صغيرة وغيرها الكثير .. وتساءلت ونفسي: بأي حال اجتزت ما كان في عالمين متناقضين؟ وماذا عن المسافة التي قطعتها ؟ لا .. لا مسافات طويلة، إنه في الحي نفسه كان كل ذلك، ألم ير هؤلاء ما رأيت ؟                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            
 

الفئة: 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة