رأس ابن هانىء.. وظمأ لا يرويه ماء البحر

العدد: 
8943
التاريخ: 
الثلاثاء, 29 آب, 2017
الكاتب: 
هدى علي سلوم

ما بين زرقتي البحر والسماء، قصيدة مدينة عاشقة، وأبجدية تكوين تتربع على عرشها منذ بداية التاريخ، ليجلس الماضي ويستريح مطمئناً في أحضان شاطئها، ويتلاشى على صخورها صخب الأمواج، فيكون فيه التناغم والانفلات نحو الحلم المطلق، الذي يضج بأسرار مدينة وحكايا ناس ..
يغفو الليل على شرفات المدينة، والبحر العاشق الواقف على أطلالها يردد أناشيده ويشدو على مسامع القمر السهران، يتردد الصدى في كهف يتتبع أثر الكلمات، فلوقعها الطويل الخطى على الأحجار والصخور ألحان ونغمات، وتغتسل المدينة بثلوج جبالها الخضراء، وتشرح صدرها لأضواء الفجر وشمس الصباح ..

 


مدينة زرناها، والتقينا العديد من ناسها الذين ما انفكوا عن بحرهم ملازمين، وأكدوا أن أهل بعثة التنقيب، يأتون من حين لحين، وليس كل يوم هم موجودون، فما كان منا إلا التجوال، على امتداد شريط الشاطئ، والذي تعدى الكيلو متر وبعض الأجزاء، وأقسم أني لم أحس بالمسافة والوقت الذي استهلك مني ساعات، حيث تلألأت حبات الملح تحت وهج الشمس الحارقة، تتبع خطواتي، وتدغدغ بصري، وتكسوني نوراً يتدفق في داخلي سروراً وحياة، ولا أعرف أي شعور تملكني، لأذوب كلاماً في دروب النهار ، وأنا أرنو من المكان الذي غزته مواطئ أقدامهم، أقرأ بصماتها، وأكاد أسمع ضجيج ناسها مروا هنا، وعبروا بنا بوابات حضارات وعصور بلا عتبات ..

 


أمكنة عديدة توزعت هنا وهناك، فيها الكثير من المعالم والتفاصيل تظهر للعيان، ودون الخوض مع الخبراء، أو الرجوع إلى أستاذ في الآثار .. حتى أن النت يعج بالأخبار ..
رأس ابن هانئ .. كان يعرف قديماً، باسم رأس الفنار، ويبدو أن شبه جزيرة ابن هاني كانت جزيرة  مربعة الشكل، اتصلت باليابسة بذراعين رمليين بينهما منطقة واطئة، وقد أخذ الرأس شكله الحالي على الأرجح في نهاية القرن الأول قبل الميلاد ..وهو أكثر رؤوس الساحل السوري بروزاً، على شاطئ اللاذقية، ويبعد عن مدينة اللاذقية عشرة كيلو مترات شمالاً، ابتدأت أعمال التنقيب فيه، عند اختيار موقعه الجميل، لإقامة منشآت سياحية ، وعند مباشرة العاملين بوضع أساسات البناء، ظهرت على الفور معالم أثرية واضحة .
وانطلقت أعمال التنقيب عام 1975 في بعثة سورية فرنسية، وسلطت نتائج التنقيبات الأثرية ضوءاً هاماً على تاريخ الساحل السوري، بين القرن الثالث عشر ق.م والسادس الميلادي، ومن أهم الاكتشافات :

 


مدينة أوغاريتية جديدة، تابعة لمدينة أوغاريت الأم، أسسها أحد ملوك أوغاريت في القرن الرابع عشر، أو في أواخره، والمكتشف منها حتى الآن قصران : الأول جنوبي بمساحة 500 متر مربع تقريباً، وله من الشرق سور دفاعي مائل يماثل سور مدينة أوغاريت، أما القصر الثاني الشمالي، فهو مماثل في طريقة بنائه للقصر الجنوبي، ويعتقد أنه يعود لأخت أم الملك الأوغاريتي عمشتمرو الثاني ( 1260_ 1230 ق.م ) ، كما كشفت رقماً مسمارية  تضم وثائق هامة، تشمل العديد من جوانب الحياة السياسية والإدارية والاقتصادية والدينية والثقافية، وفي عام 1982، حققت البعثة أمراً عظيماً يتصل بالتاريخ الاقتصادي في سورية وفي شرق البحر المتوسط والعالم القيم برمته، وهو العثور على منشأة صناعية للتعدين، فيها قالب الصب الوحيد في العالم على جلد الثور، لصب سبائك البرونز والنحاس، معدة لأغراض التجارة والتصدير، وقسم آخر يتعاطى أمور صناعة الحلي والأرجوان، وهو ما أولاها مكانة بارزة في النشاط الصناعي والتجاري  بتلك الحقبة  .

 


كما اكتشفت البعثة الوطنية للتنقيب والتوثيق (المديرية العامة للآثار والمتاحف ودائرة الآثار والمتحف الوطني في اللاذقية) بقايا أثرية هامة تعود للفترة الهلنستية، تجسدت في بقايا معمارية، وجدت داخلها كميات كبيرة من الأواني الفخارية المستوردة، من دول حوض البحر المتوسط، وبقايا من الفخار المحلي أهمها الأمفورت، وهي أوان فخارية عبارة عن جرار كبيرة الحجم، كانت تحمل طبعات أختام لتوثيق الأعمال التجارية، وكانت هذه الأمفورات معدة لتصدير الزيوت والخمور التي اشتهرت بها اللاذقية منذ أكثر من أربعة آلاف سنة .
رأس ابن هاني .. منطقة سياحية مميزة، فيها الكثير من المنشآت السياحية الكبيرة، مثل: منتجع الشاطئ الأزرق و الميريديان والشاليهات والمسابح البحرية والقرى السياحية والمطاعم والمقاهي بالإضافة إلى معهد الأبحاث البحرية وقرية الصيادين  .

 


من منا لا يتذكر مسلسل (بحر أيوب، المصابيح الزرق. .) وغيرها الكثير التي صورت في هذه المنطقة من البحر، ليبدو الإعجاب من شركات الإنتاج الوطنية والعربية، بل الذهول بجمال المنطقة التي لاتضاهيها ألقاً وروعة أي بقعة في محيط هذا الكون، و ليتغنى بها كل من غمس قدمه بماء بحرها وبحور شعرها، وأتقن حروف أبجديتها،وأجاد في نوتة موسيقاها، واقترب من جامعها، الذي كان منه الاسم والعنوان ..

 


إمام الجامع ابن هاني السيد هيثم حسن خليل، قال: يحتضن الجامع ضريح الصحابي الجليل المسعود ابن أم هانئ، أخت الإمام علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه، تقصده طوائف عدة  ومن دول عربية، بنى المسجد أول مرة، الأمير حبيب بن محمد، في رمضان 676 هجري، الموافق 1278 م ، جدد بناءه الحاج ديب ابراهيم عنتر، كما جدد أخر مرة 1998 حتى 2000م، بمساعي الحاج علي مصطفى صهيوني .

 


بيوت صغيرة وبسيطة متناثرة على أطراف المكان، تكاد تشبه الأقفاص وخيم القصب، وهذا إن دل على شيء، فلا بد أنهم في عيشة راضية مرضية، و المراكب راسية، وليس من صياد  يعثر على السمكة التي  ابتلعت ألماسة، أو حورية يلقاها على الصخور جاثية تنتظر اللقاء، كما في حكايا جداتنا، التي خبت في الذاكرة والأحلام، وما وجدناه بعض المصطافين والأولاد الذين يسبحون وينسجون قصصهم بأطراف الماء، فالوقت ظهيرة والناس في استراحة وقيلولة، لكن جاءهم البلاغ بأننا نعمل على سماع شكواهم لعرضها، والحصول على جواب .

 


الصياد أيمن صهيوني، كان أن عاد اليوم، والحظ لم يحالفه في كسب أي رزق، حيث فقد عدته في البحر، بعد غزو سمكة البالون السامة لأشراكه، إذ يمكنها قضم المعدن والحديد، يقول : ذهب القفص وكل شيء فيه، بسبب تلك السمكة اللعينة التي غزت بحرنا منذ سنوات فقط،والمنطقة ضيقة وعميقة وصعبة للتحايل ودرء الأخطار،  لدي ثلاثة أولاد، عندما يبخل البحر علي برزقه، ألجأ للأعمال الحرة لتأمين أسرتي برغيف عيشها، لا أستطيع ترك مهنتي ومصدر رزقي، الذي بنيت منه الأحلام، ويداي المتشققتان أكبر برهان،  أخوتي وأبي وجدي وصلب الأجداد هم صيادون، وقد عانينا الكثير هذه السنوات، منها : المازوت، غلاء عدة الصيد، الصيانة والتي أقلها تكلفة تصل إلى 300 ألف ليرة سورية .

 


ويوافقه الكلام زميله وابن قريته الصياد أحمد قعقع، والذي أردفنا بالقول: نحن في كل يوم بحال، يوم فوق ويوم تحت، كلفنتني الصيانة لقاربي 150 ألف ليرة، والشبكة نوع واحد فقط وطول 800 متر مليون ونصف المليون ليرة، والمركب كبير، فإذا ما طلعت صباحاً في البحر ومساء أحتاج لبادون من المازوت، وهو غير متوفر في كل الأوقات إلا في السوق السوداء، فحصتي من المازوت لا تكفي، ولا أقدر أن أغادر البحر، أو أترك مهنتي التي تصلبت في أعماق، رغم قحط محصول البحر هذا العام، فلا زبد ولا محار، والدلافين في البحر تخرب الشبكة، وترمي علينا الهموم بأثقال وأطنان، فسعرها يصيبنا بلاء، والدلافين ليس عليها قضية أو سؤال، بل أنها ترافقنا رحلتنا وتلهو كالأطفال، وأشار:

 


إلى أنهم أهل مهنة الصيد، وأولاد هذا البحر، عائلات (صهيوني، قعقع، الأشقر، برجس ) ، لا يستطيعون هجره، أو حتى التفكير بالأمر، يمتلئون منه ويملأهم ، ويشربون وإياه مرارة كأس الواقع، حتى الثمالة كل يوم، فكل هذا الجمال والتألق للبحر وجوانبه، يشكو التقصير والإهمال، فلا بروشورات تظهر للسياح، ولا إشارات تدل على الطريق، ولا برامج أو ملحقات أو مقرر دراسي للطلاب يدل على أثارنا وحضارتنا، يبقى لهم الدعاء أيام العاصفة والنو، إذ لا حيلة لهم إلا أن يراقبوا مراكبهم ويبتهلون لله  منه النجاة .
نضال عباس- صياد لكنه بعد أن ضاقت الحال، وتغير المعيار والمكيال، يسترزق بخيمة قصبية من بعض الزوار، حيث يجلسون على مقاعد ويرتكزون على طاولات، وكل عدة أشهر كلما قارب الترخيص على الانتهاء، يأتي أهل العزة بالتريكس والجرافة لقبع الخيمة، ولا يأتون بها لترحيل  القمامة عن الطرقات .

 


السيد صبحي بكو- نقيب الصيادين، قال : نحن نقابة تحمي الصيادين، تطالب بحقوقهم عند الجهات المعنية، وهي: المديرية العامة للموانئ ( الجهة التنفيذية ) والهيئة العامة للثروة السمكية ( الجهة التشريعية)، لنجد تعاوناً مثمراً في لقاءاتنا مع الصيادين، ومن المكاسب التي نالها صيادونا، بعد مطالب عديدة : تأمين المازوت لمراكبهم، وقد كان السيد المحافظ متعاوناً معنا، وله الشكر، أما قانون الأحياء المائية فهو يحظر بل يمنع الصيد بواسطة الشباك 16، ودون 25، إذ قطر عين الشبكة ممنوعة دولياً ، وكنا قد سمحنا لصيادينا بذلك، وما يتعلق بالمياه الإقليمية، حيث يكون الصيد فيها  سبعة أيام فقط، وبملاحقتنا أصبح 20 يوماً، وهو ما ينعش أسواقنا بأنواع من الأسماك ، و زيادة في الإنتاج، لينعكس إيجاباً في مردودها على الصياد، وتابع :
قدمت السيدة سحر عيسى من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي و بالتنسيق مع النقابة شباكاً وسنانير صيد  وأعمال صيانة وترميم لقوارب مجموعة من الصيادين، كما اجتمعنا منذ خمسة أيام، مع منارة الصليبة ( الأمانة للتنمية السورية) وقدمنا مشروعاً ضخماً، لتجهيز 200 مركب، ودفعهم للعمل في المياه الدولية، وهي قسمتنا، إذ حالياً تعمل في المياه الإقليمية ستة مراكب فقط، وفيه نوفر فرص عمل لصيادينا في المياه الأقليمية، ونكسب حصتنا منها، كما نرفد الأسواق بالأسماك، وتوفيرها بالسعر القليل لتكون مادة غذائية لكل العائلات،وهو ما يرتد إيجاباً على اقتصادنا الوطني، وتنتعش الأحوال .
أخيراً : لا يمكننا أن نغفل عن إهمال المنطقة، من المديريات والمؤسسات الخدمية، فلا تحظى بأي نصيب من اهتمام، في النظافة وترحيل القمامة، والتي انتشرت على طول شريط الشاطئ، بالإضافة إلى تعبيد الطريق الذي أكله التراب والرمل والغبار، وغابت ألوانه وملامحه، ولم يبق منه إلا بعض رقع تؤكد أنه كان في غابر الأزمان طريق .

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة