مدرج مسرح جبلة الأثري التاريخ يجدد نفسه وحكاياه عبقٌ لا ينضب

العدد: 
8942
التاريخ: 
الاثنين, 28 آب, 2017
الكاتب: 
هالة كاسو- سنان سوادي

تعد سورية مركز الحضارة الإنسانية ومنبعها قدمت للبشرية أول أبجدية وأول تدوين موسيقى في العالم تم اكتشافه حتى الآن في مملكة أوغاريت.
تشهد الآثار المكتشفة في سورية على عمق حضارة الإنسان الذي سكن هذه المنطقة وعلى مدى مساحتها في إغناء الحضارة الإنسانية لما قدمته هذه الحضارات التي تعاقبت على الأرض كان له الأثر الأكبر والأهم في تقدم البشرية ورفدها بأفكار وعلوم حديثة شكلت اللبنة الأساسية في عملية التقدم الحضاري والبناء الفكري ويعد مدرج ومسرح جبلة الأثري من أهم المسارح الأثرية المكتشفة في شرق البحر المتوسط ووجود مسرح هو دليل تقدم ورقي وحضارة فالأدب والفن في أي مجتمع مقياس لمدى تقدمه.
لتسليط الضوء على الواقع المسرحي التقينا الدكتور مسعود بدوي مدير دائرة آثار جبلة الذي حدثنا حول تاريخ بنائه وما يتضمنه المسرح الأثري والعناصر الهندسية لبناء المسرح وأروقته حيث قال:

       


تاريخ بنائه
المسرح (المدرج الأثري) واحد من أهم المعالم الأثرية في جبلة، يدل هذا البناء على حضارة وتاريخ هذه المدينة ويقع على الحدود الشمالية الشرقية للمدينة القديمة ويرجع تاريخ بنائه إلى القرن الثاني الميلادي أي في العصر الروماني.
ذكر عدد من المؤرخين والجغرافيين أن الخليفة معاوية بن أبي سفيان بنى حصناً عربياً إسلامياً في جبلة من الحصن الرومي القديم ويستنتج من ذلك بأن الروم البيزنطيين قاموا بتحويله إلى قلعة للدفاع عن المدينة أثناء الفتح العربي الإسلامي لمدينة جبلة سنة 17هـ - 628م - ويبدو أنه بقي قلعة حتى الفترة الصليبية -الأيوبية -المملوكية - ويدل على ذلك بقايا الأبنية والمرافق المختلفة التي ظهرت أثناء الحفريات الأثرية التي قامت بها المديرية العامة للآثار والمتاحف منذ عام 1950م ومازالت مستمرة حتى الآن.
ذكر الدكتور مسعود بأنه زار المسرح عدد من الباحثين والرحالة والأجانب نذكر منهم: هنري موندريل عام 1697م -وفي عام 1745م تم وضع أول مخطط للمسرح من قبل ريشارد بوكوك، وكذلك آرنست ردنان الذي زاره عام 1860م ووجدت في حالة جيدة ويبدو أن بعد هذا التاريخ قد امتدت إليه يد العابثين ويشهد بذلك رونيه دوسو الذي زاره مرة ثانية عام 1895م فوجده خراباً ربما بسبب الزلازل المتلاحقة التي تعرضت لها المنطقة، وكذلك يد الإنسان التي تأخذ الحجارة المشذبة لبناء بيوتها. وهذا ما ساعد على تشويه المسرح، كما أقام الفرنسيون عليه دارين أحدهما كان للمستشار الفرنسي والآخر لقائد الدرك.
العناصر الهندسية لبناء المسرح
شيد المسرح على أرض سهلية بركائز وقواعد من الحجر الرملي، أما مدرجات الجمهور فقد بنيت بحجارة كلسية شكلت نفق دائري .
أشار رئيس دائرة الآثار إلى أن المسرح يتسع لحوالي من 8 إلى 10 آلاف متفرج وبني على أقواس وعقود مبنية من الحجر الرملي ويتألف من منصة التمثيل التي تقع في الجهة الشمالية وقد زين جدارها الأمامي بمحاريب مستطيلة ومستديرة .
المنصة تتألف من واجهة التمثيل ، أماكن الملقنين والكواليس، وواجهة المنصة العليا والمنصة الرئيسية وهي الأوركسترا التي تقام عليها العروض المسرحية لها واجهة جدارها الأمامي مزين بمحاريب مستطيلة تخفي ورائها أماكن الملقنين.
واجهة منصة التمثيل
نفذت على شكل كوات متعاقبة لها محراب مقوس يليه صندوق مفتوح وصفحت بطبقة من الرخام الأبيض الملون.
أما خشبة المسرح يوجد في أسفلها أماكن الملقنين والتي زينت واجهتها بأعمدة من الغرانيت الزهري وتيجان كورنيشية.
أماكن المتفرجين
تقسم إلى ثلاثة أقسام الطبقة السفلى جميع عناصرها بحالة جيدة، وطبقة وسطى محافظة على عناصرها في القسم المركزي أما الطبقة العليا فقد فقدت عناصرها كلياً ولم يبق منها سوى القسم الصغير ويفصل كل قسم عن الآخر من أقسام المتفرجين ممشى ذو واجهة تكون منطلق كدرجة أخيرة من درجات الجلوس وكفاصل للمشى.
الممرات والأدراج
زود المسرح بالعديد من الأدراج الشعاعية الفاصلة والأدراج الفرعية الظاهرة والمخفية والداخلية والخارجية، وكذلك العديد من الممرات والمماشي التي تفصل أقسام المسرح وتسهل عملية التنقل داخل المسرح.
الأوركسترا
عبارة عن فسحة سماوية تفصل أماكن المتفرجين عن المنصة وتسهل حركة المرور في المسرح وتزوده بالمداخل والمخارج الضرورية حيث تتألف من قسمين الأول على شكل نصف دائرة وتتخللها أدراج مزدوجة تقود إلى بداية مقاعد المتفرجين السفلية ثم الممشى العلوي وقد بلطت الأرضية بدقة وعناية من الحجر الكلسي بأبعاد متساوية ورصفت بشكل طولي ومتوازي مع جدار واجهة المنصة السفلي .
الأروقة
الأروقة الجانبية: عبارة عن ممرات جانبية على شكل أروقة مقبية ترتبط مع الأوركسترا والمنصة والمدرج ويمتلك مدرج جبلة رواقان جانبيان شرقي مهدم وغربي بحالة سليمة مع المحافظة على قسم من سطحه المقبب.
الأروقة الداخلية: عبارة عن دهاليز داخلية تشكل سقوفها أرضية الطبقة الثانية من بناء المسرح الداخلي وتقع أسفل أماكن المتفرجين وموقعها موازي للمماشي الفاصلة بين الطبقات والمداخل ويوجد رواقين داخليين يسيران بالتوازي وبشكل محيطي مفتوحة على بعضها البعض بواسطة أروقة ومعابر شعاعية مستعرضة مداخل المسرح الخارجية: الردهات الجانبية- الأروقة الجانبية- الأروقة الحزامية- الأدراج العليا-مداخل المسرح- المماشي الفاصلة- الأدراج الشعاعية- مقاعد الجلوس .
لنا كلمة ..
في كل شبر من أرضنا حكاية حضارة ومعالم أثرية وقصص إنسان بحث عن المعرفة وطرق باب العلم ورفد الحضارة الإنسانية في العلوم والمعارف كان لها دوراً كبيراً في تحقيق قفزات نوعية على مستوى التفكير الجمعي للإنسانية وأن مسرح جبلة المكتشف وغيره من الآثار التي اكتشفت في سورية هي خير دليل على حضارة الإنسان الذي سكن هذه المنطقة منذ القديم وأننا أبناء حضارة عمرها آلاف السنين وإن الحفاظ على هذه الآثار وتسليط الأضواء عليها محلياً وعالمياً يسهم في دعم القطاع السياحي، وبالتالي دعم الاقتصاد الوطني، كما يجب المحافظة عليها نظراً لأهميتها التاريخية.