رأس شمرا .. حكاية لا تنتهي

العدد: 
8938
التاريخ: 
الثلاثاء, 22 آب, 2017
الكاتب: 
هدى علي سلوم

خلف ستار نوافذ الأيام، وفي أحضان  الجنان الوادعة، زمن صخب يغفو تحت الأفياء، وقع أقدام وصهيل معاول وفوانيس تنقب في خبايا جرار وجدران المكان، لتنتفض أبجدية أناس رحلوا، وينبض صولفاج نوتتهم ويعلو نشيدهم ، بين أضلاع التل وأطراف جسده، فتبث الفرح والحب والحياة، في رسالة سلام  أهدتها للبشرية :
رسالة الشجر وهمس الحجر.. تنهدات السماء إلى الأرض .. همهمات القمر إلى الكواكب.. وأغنيات البحر مع النجوم .. لدي رسالة أقولها لك ..
اسكب سلاماً في جوف الأرض .. أكثر من المحبة في قلب الحقول .. كي نقيم في الأرض وئاماً .. ونغرس في التراب محبة .. لدي رسالة أقولها لك ..
تعالوا نزرع في التراب محبة .. وفي الأرض وئاماً .. سلاماً لبني البشر ..


محبة في الحقول .. فرحة على البيادر .. عطراً على الجبال .. دواء على التلال .. سلاماً لبني البشر .. سلاماً لبني البشر.
ومنها تبدأ حكاية رأس شمرا .. التل الأثري، الذي كشفت فيه أنقاض مملكة أوغاريت، وقد بينت الحفريات أن أوغاريت، عاصمة لمملكة بلغت مساحتها 5425 كم مربع تقريباً، في القرنين الخامس عشر والثاني عشر قبل الميلاد، وهي فترة ازدهار المملكة، ويقدر عدد سكان أوغاريت عندها ( 6000 - 8000) نسمة، وذلك اعتماداً على بقايا البيوت العشرة آلاف ، المكتشفة فيها.

وقد أرشدنا إلى ملامح البيوت والمكان، السيد أبو هيثم، بعد البحث والجري وراءه في الحقول وبين أشجار الجوز والليمون، وتحت وطأة الشمس الحارقة في وضح النهار، لأجده يسقي الزرع، ويهم راجعاً على دراجته الهوائية، وهو ما أدهشني، وأطرب مسامعي والفؤاد عندما رد علي بالإيجاب ..
ترى الفرح وحب الأرض يغزوان قلبه وعقله، ويملآن الجسد الصحيح، وقد تجاوز الثامنة والسبعين، ليسكبه شعراً وعطراً في الأرجاء، وعلى المارة والسياح، الذين يقبلون على استراحته بعد زيارة آثار رأس شمرا، فهو يجيد اللغة الفرنسية والإنكليزية، لتكون لغته العربية في وزن وقافية وأشعار، نسمع منه :
فلاح بسيط نشيط، يحرث الأرض، فيصطدم الصمد بصخرة كبيرة، ومنها نقطة البدء لرحلة تنقيب واستكشاف عجيب ، عام 1929 قال : أذكر كنت طفلاً، نسكن فوق المدينة الأثرية في بيوت طينية وخشبية، أتعلم اللغة والقرآن عند الكتّاب، لأرجع لمساعدة والدي في زراعته، واللعب مع الأولاد، وكان جزءاً بسيطاً محفوراً في أعماق الأرض، تشكو فينا الفضول وتدعونا للنبش والحفر، كنا وقتها تحت رزح الانتداب، وعندما بدأت الحفرة تتوسع، ويتبين منها خفايا وأسرار، اجتمع الفلاحون، وباتوا على نيتهم قائمين، فأتوا بأدوات حفرهم من الفأس والرفش والمنجل الحديدي، وفوانيس صغيرة مضاءة بالكاز، حفروا ليجدوا مدفناً كبيرا، ويحظوا بالفخار الكثير، وهو ما دعاهم إلى حمله لمسيو دولاكي في مزرعة البندة ، التي كان يسكنها بعد أن تزوج من أسرة العشي، إحدى عائلات اللاذقية المعروفة، وهو ما دفعه لسؤالهم عن المكان، وبعدها بأيام كان منهم من يجول ويبحث فيه، وتابع :
بعد خروج المستعمر، بدأت البعثة السورية والفرنسية أعمال التنقيب، لتكون مدينة أوغاريت محط جدل واهتمام، بعد أن وجدوا لوحة الأبجدية بحروفها الثمانية والعشرين، ويعود سبب تسمية الموقع برأس شمرا، نسبة إلى نبات الشمرا الذي يفيض به المكان، وينثر عطره في الأجواء ..
لقد عملت مع أفراد البعثة، كما غيري من البنات والشباب والذي بلغ عددهم 25 شخصاً، وراتبي آنذاك 150 قرشاً، أي ليرة سورية ونصفها، كنت أمسك بالرفش لأزيل التراب،الذي يحفرونه، وفي إحدى المرات عثرت على تمثال برونزي للإله بعل،تناوله مني أحد أصحاب البعثة، وناولني مكافأة قيمة في ذلك الحين ليرة سورية كاملة، حيث كانت الفكة منها تتضمن (النصف ليرة، والربع، والعشرة قروش، والنصف فرنك )، كنا نقوم بالحفر يومياً شهر أو اثنين بالسنة، لاكتشاف طبقات الأرض، والبحث عن جدران البناء، أذكر الخبير الأجنبي ( مسيو كوندانسو) ومن البعثة السورية الأستاذ مصطفى المملوك، كان العمل شاقاً ومرهقاً، لكن عندما علم مسيو كوندانسو، بأني أتقن اللغة الفرنسية، أخذني لأعمل معه في الرسم الطبوغرافي، وبعد رحيل البعثة، رجعت لعمل ومهنة الأجداد، وتابعت أعمال الزراعة في الحقول و أرض اكتسبناها، بعد تركنا للموقع الأثري .


وأشار إلى أن المكان كان قبل سنوات يضج بالناس والزوار، وجميع هذه الاستراحات الموزعة على أطرافه، وتحت فيء الأشجار التي تكاثفت وتكاتفت، كنا في خير ونعيم، لكنها اليوم تفتقر لهم، والعيش في ضيق وتعتير، أبحث عن عمل، فكيف لي به وقد غادرني الشباب ..
نودعه ونشكر له حسن الضيافة والثقافة، ونتابع مسيرنا إلى الموقع الأثري، الذي تسور بالمعدن والقضبان، واستقبلنا موظفان، ليعلماني بأن المدير الجديد الأستاذ محمد رضوان في موقع ابن هاني لأجل التنقيب، ولهذا لم يكن ليخبرنا عن مزيد من المعلومات ، وعند سؤالنا عن الوفود والزيارات، ردت علي أحلام ( موظفة ) منذ قليل رحل وفد سوري ولبناني ( 50 ) من الحزب السوري القومي الاجتماعي، أتوا لزيارة الموقع، وما هي إلا بضع أجزاء من الساعة، حتى وصل ثلاثة شبان، يتهادون في طلوعهم على الأدراج، وسرعان ما قطعوا التذاكر، ليبدؤوا رحلة استكشافهم، ويطوفوا في خلاياه ، فانتظرتهم أن يعودوا، ونكسب منهم بعض الملاحظات ، وإلى أن يعودوا كنا نقوم بالاستعلام والتعرف على الموقع وجماليته .
اسم أوغاريت مشتق من كلمة أوغارو ومعناها الحقل، وكل الرقم المكتوبة ومعظم المباني والقطع الأثرية، التي كشفت تظهر النشاط السياسي والاقتصادي والثقافي والعسكري الكبير، ولم تظهر الحفريات حتى الآن سوى ثلث المدينة، وأهم ما ظهر منها: الحي الإداري الرسمي، ويتصدره القصر الملكي الفخم مع ملحقاته، وتحصينات المدينة ومسكن الحاكم العسكري، وقصر الملكة وأقسام واسعة من أحياء المدينة، كحي المعابد ومعبد الإله دجن، ومعبد الإله بعل، والمكتبة وعدد كبير من القبور، بالإضافة إلى منشآت اقتصادية مثل معصرة الزيتون، وقصر لإدارة التجارة الخارجية، والحوانيت والأدوات التي كانت تستخدم فيها للزراعة والحرف والتجارة البحرية، وتعتبر المكتشفات الدالة على الحياة الثقافية والوثائق المكتوبة، أهم مكتشفات رأس شمرا، حيث تم العثور عام 1929 وعام 1988 على 3755 رقيماً فخارياً، وتنفرد الوثائق المكتشفة فيها بتنوعها، وهي تتناول ميادين مختلفة وأغلبها نصوص مدونة على ألواح طينية بلغة كنعانية، تتضمن أساطير وطقوس دينية ومجموعة نصائح وحكم ومراسلات رسمية وخاصة، ونصوص إدارية تشتمل أسماء الموظفين والتجار وقوائم بأسماء المدن والقرى التابعة للملكة، ونصوص أدبية ووثائق قانونية محلية ومعاهدات دولية، وتمارين مدرسية على الكتابة وقواميس تسرد مفردات أوغاريتية، وطبعات أختام، وهناك نصوص ذات طابع علمي وموسوعي منها : رقيم فيه أشهر السنة وقوائم بالأوزان والأحجام والمساحات ،اسماء الأسماك والطيور المعروفة آنذاك ، إلا أن الاكتشاف الأهم، هو أقدم أبجدية في العالم وتعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، تضم ثلاثين حرفاً أو إشارة مسمارية، والنوتة الموسيقية، ومن الجدير ذكره أن ميناء أوغاريت وهو المينا البيضا حالياً، كان مركزاً مهماً للتجارة يعج بالسفن والبضائع من جميع الأنواع، وقد امتدح الشاعر اليوناني هوميروس في إلياذته صناعات وأواني أوغاريت فقال : لا توجد آنية أخرى تنافسها في جمالها ..
مرت ساعة وأقل من دقائق، ونحن على مقاعد الانتظار، إلى أن عاد الشباب وجميعهم يعمل خارج البلاد، وجبينهم يندى بلؤلؤ مشاق الجول والمسير، بين هول وعظمة المكان وزحمة الأفكار، ليرموا بأجسادهم المتعبة على الكراسي طلباً للراحة، وعيونهم لم تترك المكان، فما زالت حدقاتها في إمعان ودوران، ليقول فداء : يا لعظمتهم وروعتهم وبهائهم، إنهم أهلنا وناسنا ..
وكان أن أجمعوا في قولهم : أنهم من أبناء اللاذقية وسكانها، لكنهم لم يحظوا بفرصة لزيارة الموقع من قبل، ولم يكن قد رؤوا صوراً لها من قبل، وتساءلوا : لماذا هذا الإهمال ؟ لما مدارسنا لم تولي تاريخنا وحضارتنا الاهتمام ؟ لماذا هي غائبة عن مناهجنا ؟ وتعمل على تدريسنا تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها وغيرها من البلدان الأجنبية وجغرافيتها ؟ أين المحطات التلفزيونية والإعلام ؟ أليس من الجيد أن يكون لآثارنا نصيب في مهرجان ؟
وعلا صوت علي ليقول : رأيت في فرنسا اهتمامهم بالحضارات ، و40% منهم يعلمون مدينة أوغاريت وحضارتها ، ويزيدون في معلوماتهم قوة التأثر والإعجاب، كما نصفهم يخطط لزيارتها، وللأسف نحن هنا ولم تكن زيارتنا في الحسبان، ويلنا ما نفعل بأنفسنا وبحضارة أجدادنا، التي تركوها فخراً وعزة وقيمة لإثرائنا وإغناء بلادنا .
وفي نهاية المطاف ، قدم الشاب فداء الشكر للموظفة أحلام، والتي كانت دليلنا السياحي، فقد فاضت على تاريخنا جمالاً وبهاءً بشرحها وتفصيلها لكل سؤال ، وعلي حيدر أكد أنهم أضاعوا الطريق ، فلا دلالات أو إشارات ، ترشدهم إلى المكان ، فكيف لسائح أن يصل بسلام ، وهنا اللوم والعتب ؟
رغم كل آلامنا وأوجاعنا، من هذه الحرب التي طالت أماكن  عيشنا وأحلامنا، إلا أني أجدني اليوم أشد مرارة وقهراً ووجعاً .
نختم حديثنا لنقول : شعب صنع حضارة وأبجدية وموسيقى وقافية واخترقت أصقاع وبقاع الكون ، وأدهشتهم ، وما زالت بلدنا إلى اليوم تتحدى الصعاب وتصنع المعجزات لتذهلهم  بجبروتها وشدة صبرها، والحكاية مستمرة .

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة