ملتقى أغافي الثالث للنحت... مســـاحة إبداع جسـَّدت ألق الماضي وألـــم الحاضر

العدد: 
8936
التاريخ: 
الأحد, 20 آب, 2017
الكاتب: 
رولا إبراهيم

عشرة نحاتين هربوا من صخب الحياة وضجيجها وتقلُّباتها مصطحبين معهم عُدَّتهم وأدواتهم وكل مستلزمات النحت ليحولوا حديقة المتحف الوطني إلى ورشة عمل فنية احترافية تضجُّ بالنشاط والإبداع وذلك ضمن أجواءٍ تنافسية مفيدة وممتعة في آنٍ معاً.
النحات عماد الدين كسحوت مدير الفنون الجميلة بوزارة الثقافة – المشرف على الملتقى وأحد المشاركين فيه أشار إلى أن اختيار أسم أغافي كعنوان للملتقى جاء تيمناً بفتاة سورية من محافظة اللاذقية قدمت نفسها قرباناً لإله الحرب (زيوس) لإنقاذ مدينتها من الكوارث والحروب وذلك للدلالة على تضحيات المرأة السورية منذ القدم وحتى يومنا هذا منوهاً إلى أن هذا الملتقى هو الثالث للنحت على الخشب، فقد أقيم نتيجة جهود مشتركة بين وزارتي الثقافة والسياحة حيث تم تأمين كل المستلزمات والتسهيلات الممكنة للنحاتين المشاركين من مختلف المحافظات السورية مبيناً أنه يُعد فرصة لتبادل الخبرات وصقل المهارات بين الفنانين ولاسيما أنهم ينتمون لشرائح عمرية مختلفة ويمتلكون طرقاً وأساليب متفاوتة.


وأضاف كسحوت إن هذا الملتقى ساهم في تنشيط الحركة الفنية ودعم الحراك الثقافي كما أفسح المجال أمام جيل الشباب لإثبات حضورهم  على السَّاحة الفنية التشكيلية وإبراز طاقاتهم الكامنة ولاسيما أن هناك فنانين يشاركون للمرة الأولى، هذا فضلاً عن مساهمته في خلق حوار ثقافي بين النحاتين المشاركين وبين النحاتين والجمهور الحاضرين الذين اكتسبوا ذائقة فنية أثناء زيارتهم للملتقى من خلال محاورة الفنانين ومشاهدة هذا العرض في الهواء الطلق وعلى أرض المتحف الوطني باللاذقية الذي يضم حضارة عمرها آلاف السنين.
من جانبه بيَّن الفنان فادي محمد أن اللغة التشكيلية لا تختلف كثيراً عن اللغة الموسيقية فالأولى نراها من خلال تشكيلات بصرية والأخرى نسمعها من خلال إيقاعات موسيقية، مشيراً إلى عمله الذي يحمل إيقاعاً ما بين الإنسان والمكان من خلال تكوين بشري يحوي إيقاعات معمارية متداخلة مع بعضها تجسدت عبر كتل إسمنتية وخطوط منحنية لإحداث ذلك التزاوج بين تأثير البيئة بالإنسان وتأثيره عليها، معتمداً على تكوينات مربعة الشكل والتي تعد من صيغ ومفردات العمارة.


وأكد محمد أهمية هذا الملتقى الذي حاول من خلاله الفنانون إيصال رسالة للعالم بأنَّ الحياة لابدَّ مستمرة وأن الإرهاب لن يحدَّ من عزيمتهم أو يعكر صفوهم آملاً أن يشكل له نقطة مضيئة وعلامة مهمة في مشواره الفني.
أما الفنان محمد بعجانو الذي يملك تجربةً ثرية مع النحت فقد استطاع أن يثبت حرفيته العالية وقدرته على تكييف خامة الخشب مع أدواته لينتج هذا العمل الفني المميز الذي اتسم بالمهارة والدقة في مسعىً منه لإغناء مسيرته الإبداعية.
بينما حاولت الفنانة عهد القطان من خلال عملها أن ترسم العديد من الصور المتداخلة التي تمثل المرأة السورية الصَّامدة الصَّابرة الواقفة بشموخ والمتشبثة بأرضها رغم قسوة سنين الأزمة التي ألقت بظلالها على كل ما يدور حولها محاولة الدمج بطريقة ما مع رمزٍ من رموز الوطن من خلال المنازل المحاطة بالعمل من عدَّة جهات.
وأعربت القطان عن سعادتها لمشاركتها في هذا الملتقى الذي ساهم في نشر الثقافة البصرية وعزَّز القيم الجمالية والتشكيلية لدى متذوقي هذا الفن.
من ناحيتها أكدت الفنانة هيفاء عبد الحي التي توجد لها العديد من المشاركات الفردية والجماعية كان آخرها ملتقى المحبة والسلام باللاذقية أنها حرصت وزملاؤها على إبراز الرسالة الهادفة للفن من خلال تقديم أعمال تحمل المتلقي إلى عوالم وحضارات مختلفة وذلك ضمن حوارٍ جمالي بصري لا ينتهي موضحةً أن عملها عبارة عن كتلتين تلتقيان بنقطتين الأولى تكوينٌ إنساني والكتلة الثانية هي صدىً للكتلة الأولى ملخصةً فكرتها بضرورة الرقابة الذاتية الداخلية للمرء وتحصينه من الأفكار المسمومة والعادات والتقاليد البالية وردعه عن ارتكاب المعاصي معتمدةً السَّماكات الرقيقة والخطوط المنسابة.
ولا يخفي الفنان زياد قات شغفه بالنحت الذي يعتبره أحد أساليب التعبير عن الذات ومتعةً كبيرة لا يستطيع مقاومتها رغم ابتعاده عنه لمدة تزيد على خمسة عشر عاماً لانشغاله بالعمل في مجال الديكور إلا أنه يؤكد في الوقت عينه أن الرؤية الفنية للعملين واحدة فكلاهما ينتجان الجمال ويبدعانه.
وأوضح قات الذي يملك في رصيده الفني عدّة أعمالٍ مقتناة من قبل وزارة الثقافة وبعضاً من الأعمال الحجرية موزعة في حديقة تشرين وساحة 7 نيسان وغيرها إضافة إلى أعمال له مباعة في الأردن ولبنان وروسيا أنَّ عمله يعتمد على تحوير الجسد الأنثوي بطريقة تجريدية مع ملاحظة علاقة الكتلة بالفراغ عبر منحنيات بسيطة لا تحمل سطوحاً قاسية أو انكسارات حادَّة مع انكفاءٍ واضحٍ نحو الداخل من خلال حركة الجسد المتمثلة بالوقوف بثبات والنظر إلى الأفق البعيد.
الفنان غاندي خضر أكد أن الملتقى عبارة عن تمازجٍ وتلاقٍ ثقافي بين الفنانين السوريين لمد جسور التواصل وتقريب الرؤى والأفكار وتعزيز روح العمل الجماعي منوهاً إلى أنه وزملاءه يستلهمون مضمون أعمالهم من أحاسيسهم وانفعالاتهم ومشاهداتهم اليومية ليترجمونها أعمالاً وتحفاً فنية فريدة معتمدين الاختزال مع الحفاظ على أركان النحت الأساسية من كتلة وفراغ وظل ونور.
وعن عمله المشارك به حدثنا قائلاً: عملي تجريدي يدور حول فكرة الخلق وبما أننا موجودون بمنطقة آهلة بالحضارة الفينيقية التي تؤمن بالنهوض والقيامة وإعادة الحياة من جديد من خلال أسطورة طائر الفينيق الذي ينهض من تحت الرماد ليُولد ويُبعث من جديد، حاولت أن أجسد شيئاً من معتقدات هذه الحضارة التي كانت سائدة آنذاك.
اليوم الختامي للملتقى تُوِّج بعرضٍ للأعمال المنجزة من قبل الفنانين المشاركين والذي استمرَّ على مدى أيام كي يتمتع الزوار بمشاهدة تجاربهم وإبداعاتهم والتقاط الصور التذكارية لأعمالهم وذلك في حديقة المتحف باللاذقية.
وعلى هامش حفل الختام كانت لنا وقفة مع الناقد التشكيلي عمار حسن الذي أبدى رؤيته الفنية والنقدية حول أعمال بعض الفنانين المشاركين من بينهم الفنان عماد الدين كسحوت الذي رأى أنَّ عمله تعبيري يميل إلى الاختزال والتعبير عن الحياة والوطن من خلال هذا الوجه الأنثوي الذي يحمل زخماً تعبيرياً مناسباً للحالة التي أراد إيصالها.
أما عمل أُبي حاطوم فيمثل حسب (حسن) نقلة نوعية ومختلفة في مسيرته الفنية وهذا ما هو إلا دليل على حيوية روحه المبدعة المتصلة بالواقع الذي حاول نقله بكل صدق وشفافية مؤكداً أنه بعد الأعمال الجميلة والمميزة التي قدمها سابقاً (السفينة والشجرة والخلاص) هو اليوم يقدم عملاً مغايراً تجسَّد بكتلةٍ محزَّمة بحبال لمنعها من الإنفجار، كتلة قد تكون حلماً أو صرخة أو واقعاً أو روحاً أو حباً إلا أنها لا تتمتع بهذه الحرية المبتغاة محاولاً التأكيد على هذا العجز من خلال التركيز على ضغط الكتلة ومنعها من البوح بمكنوناتها والتعبير عن ألمها.
في حين وجد أنَّ عمل الفنان غاندي خضر يرتفع على قاعدة من الجروح والأوجاع مؤكداً أن الفنان عمد بتقنيته إلى تجريح هذه القاعدة عرضياً ليعبِّر عن هذا الشجن المتراكم والمستعر بجمر المرارة والألم معتمداً الخطوط الحادَّة والغائرة من إحدى جهاته بينما في الجهة المقابلة تتحرك نطفة الحياة لتحقق ولادة جديدة رغم صعوبة الظرف الحالي.
كما أشاد بعمل الفنان محمد بعجانو الذي استطاع أن يختزل الجسد الخرافي والأسطوري والإنساني إلى شكلٍ يجمع بين الطائر المائي والجسد الترابي مؤكداً أنَّ هذا العمل يوجد فيه تلخيصٌ ذكيٌ بين رأس الحصان والثور والسمكة، أما على السَّطح فتوجد رموزٌ ونقوشٌ إلى جانب إضافات الفنان التزيينية والرمزية التي تؤكد انتماء هذا الشكل الخرافي لهذه الأرض، كما توجد هناك العديد من التموجات التي تشبه تموجات البحر وتعاقب الليل والنهار إضافةً إلى الأسود الغائر والنافر المتوهج بالضوء مشيراً إلى أن الفنان بعجانو لا يشكل السَّطح فقط وإنما يستدعي الزمن ليسكن الكتلة، برز ذلك من خلال المنصة التي انطلق منها هذا الكائن الخرافي والتي كُتب عليها: (الخيل والليل والبيداء تعرفنا).
كما كانت لنا وقفة مع مدير آثار اللاذقية المهندس (إبراهيم خير بيك) الذي رأى أنّ جميع الأعمال المعروضة تشدّ الناظر إليها بتكويناتها واختلاف مضامينها حيث حاول من خلالها المشاركون تحقيق رؤية بصرية معاصرة ومختلفة عبر إحياء هذا الحس الفني والجمالي الذي توارثوه عن أجدادهم الفينيقيين الذين نحتوا الأبجدية وتماثيل ملوكهم وآلهتهم على قطع من الأحجار والصلصال وامتدّ هذا الفن لكل أنحاء العالم عبر البحر غرباً والبر شرقاً مشيراً إلى أن الفنانين سعوا عبر أعمالهم الخلاّقة لترسيخ هوية المكان الثقافية وعكس الصورة الحضارية لبلدنا.
 يذكر أن الختام تمّ بحضور علي المبيض معاون وزير الثقافة ومحمد شريتح أمين فرع الحزب باللاذقية ومجد صارم مدير ثقافة اللاذقية وابراهيم خير بيك مدير آثار اللاذقية الذين قاموا بدورهم بتوزيع الشهادات التقديرية على جميع الفنانين المشاركين.
  الفنانون المشاركون:
عماد الدين كسحوت- دمشق،  محمد بعجانو- اللاذقية، زياد قات- القنيطرة،  أكثم السّلوم- حمص، أُبي حاطوم – اللاذقية، غاندي خضر – حماة، إياد البلال – حمص، عهد القطّان – حلب، فادي محمد – اللاذقية، هيفاء عبد الحي – السويداء.