سوق الصاغة .. وخواتم خطبة من الذهب الروسي

العدد: 
8933
التاريخ: 
الثلاثاء, 15 آب, 2017
الكاتب: 
هدى سلوم - تصوير : حليم قاسم

 

(يا بياع الخواتم بالموسم اللي جاي, جبلي معك شي خاتم, يا بياع الخواتم رح يتركني حبيبي, احبسلي حبيبي  خاتم) كما غنت فيروز في ذاك الزمن الجميل, كان سوق الصاغة في اللاذقية يستقطب أبناء الريف في المواسم السنوية  وجني المحصول على البيادر, لشراء الخواتم والمحابس  لحبيباتهم  والحلق والطوق  لبناتهم وزوجاتهم, عن سوق الصاغة والذهب قال الباحث ياسر الصاري:
السوق مملوكي في بنائه وتكوينه, كان يمثل الشارع الرئيسي للاذقية القديمة, يستقطب أبناء الريف في مواسم الإنتاج وبعد جني المحصول السنوي..
السوق لم يتغير فيه سوى طرازه المعماري حالياً ، فالشارع بقي إلى اليوم رئيسياً يخرق بطوله شارعين هما: هنانو والثامن من آذار, وتملك محلات السوق عائلات تناوبت عليه منذ القدم, ويذكر الصاري في أحد القصص التي رواها له كبير الصاغة في اللاذقية, في ذاك الوقت: كان من المعتاد أن أهل ريف اللاذقية يأتون السوق بعد جني المحصول, وقسمة المال وامتلاكه, كل عام لشراء الذهب, الذي كان لا يفتح إلا في تلك الأوقات, فكان أن نزل أحد الريفيين, ليشتري بنقود موسمه, هدية لزوجته التي تنتظر في بيت زوجها الكادح, وهي ما انتظرته منه بين العام والآخر, اشترى الفلاح بنقوده ما تريد زوجته وخرج من المحل, دون أن ينتبه للطوق الذي سقط منه سهواً, ولاحظ الصائغ ذلك, فخبأه له ومرت أيام سنة كاملة ليعود الفلاح في نهاية الموسم ليشتري هدية لزوجته,لكن الصائغ بادره بالطوق, وناوله هديته, ليرجع بها إلى زوجته, هكذا كان الناس, يعيشون تحت سماء الرحمة والصدق والأمانة.

 

 

ويقول الأستاذ فايز فضول- باحث تأريخ وموسيقى, أشار إلى أن ما يميز هذا السوق وجود كنيسة القديس جاورجيوس, وكانت عيادة للدكتور سامي دفقة وأخرى للدكتور بشور, ومؤسسة لبيع سيارات الفوكس فاكن, وسعر السيارة 6500 ليرة, ثم أصبح محلها مؤسسة استهلاكية, ويقابلها معرض للسجاد والخياط عوض ومحاذاتها الخياط النحال ويقابله منزل كروم ملاصق لمحل الصباغ, يقابله محل منزل اسكاف ومحل حلويات المرحوم ديب خبازة..

 
الصاغة الذين تواجدوا في ذاك المكان ( سامي الصايغ والبيطار) ثم الرشيد ثو اونجي والصوفي, وأكثرهم من باعة الذهب والفضة حيث كانوا يصنعون ويبيعون الفضة, كان سعر الذهب آنذاك ليكون سعر غرام الذهب وعيار 21 لا يتجاوز 30 ليرة والليرة الذهبية 32 ليرة فقط, كان الذهب وما زال معشوق النساء, تتزين به وتخزنه في صندوقها لغدر الزمان, وله حكاية ترويها الجدات, لصغيراتهن عن أميرات حلقن مع فارس أحلامهن وتركن الذهب والحلي والمجوهرات على عروشهن في القصور, والملك الطماع الذي أراد أن يمسك بكل شيء وينقلب ذهباً حتى نال منه ليكون تمثالاً ذهبياً صلب الجسم والأطراف, الذهب صديق المرأة, ولا يفارقها فبدونه ناقصة الأنوثة والجمال, حيث تقول منى: بين فترة وأخرى أشتري الذهب, فأنا مولعة به, وأكاد أتقن الشراء, إذ ألاحق أسعاره المتقلبة التي لا ترسو على حال, أشتري أو أبيع, يبقى سعره فيه, ويقيني زلات الزمان, الحق أنّه صمام أمان, يحميني من حاجة الآخرين,  كما أن لي في قصة أختي عظة وبرهان, حيث أن حبيبها ما زال يؤجل الخطبة, منذ سنوات, يأملان  أن ينخفض سعرالذهب, وما زال حلماً يحلق في أجواء فيروزية وذهبية, ازدادت مع ارتفاع الأسعار, واليوم يفكران بشراء المحابس من سوق الصاغة وتتمة التلبيسة  من محل لبيع الذهب التقليدي(الروسي) في نهاية المطاف.

وفي جولتنا وصلنا إلى جمعية الصاغة,والتقينا رئيسها السيد مروان شريقي الذي قال:


بدأت جمعية الصاغة والمجوهرات عملها  في اللاذقية عام 1964 وانتقلت بالعام ذاته إلى أحضان اتحاد الحرفيين, واليوم يبلغ عدد أعضائها 191 حرفياً يعملون بحرفة صياغة المجوهرات وبيعها إلى المواطنين, ويوجد لدى الجمعية لجنة فرعية في مدينة جبلة, وتم تشكيل مجلس إدارة منتخب وجديد تقوم بأعماله الإدارية  والتنظيمية بالشكل المطلوب, يعاني الأخوة الحرفيين في هذه المهنة من تطبيق قانون الإنفاق الاستهلاكي رقم 18 وتطالب الجمعية بتعديل بعض الفقرات بهذا القانون, بما يخدم المصلحة العامة, لأن حرفة الصياغة حرفة قديمة, وتعطي مدلولاً حضارياً في الأسواق المحلية,  لكننا نشكو جميعاً من ارتفاع نسبة الضرائب المفروضة على الحرفيين, أما كيف نضع الأسعار؟ فهذا ما نرجع فيه إلى الجمعية المركزية في دمشق.
 وفي لمحة تعريفية عن هذا المعدن البراق, يعتبر من أقدم المعادن التي استخدمها الإنسان, منذ العصور القديمة قبل الميلاد, واشتهر القدماء المصريين بصناعته وصياغته إلى أشكال جميلة وصفائح رقيقة, تستخدم في صناعة الحلي وتزيين النساء, ومن المتعارف عندنا أن للذهب أكثر من لون, هناك الأصفر وهو دليل صفاء المعدن, وبخلطه بنسب صغيرة من معادن أخرى مثل النحاس والفضة والزنك والبلاديوم, تكون عملية إنتاج عيارات الذهب, وكلما قل العيار حال اللون إلى الشحوب, والأبيض الذي توسد واجهات المحلات اليوم, هو خليط بمادة البلاديوم, كما أن درجة صفاء الذهب تؤثر بالسلب والإيجاب على أسعار الذهب.
 لا نعلم: أن الجسم البشري يحوي 0.2ملغرام من الذهب يتركز أغلبه في الدم, وأن الذهب يستخدم في علاج مرض المفاصل الروماتيزمي, ونساء العالم يمتلكن 19 طناً من الذهب سنوياً للزينة وخواتم الزفاف,  كما تحتوي الشمس على 16 مليار طن من الذهب, ويحتوي باطن الأرض ما يكفي لتغطية محيط الكرة الأرضية بطبقة من الذهب ذات سماكة 1.5 قدم من الذهب, وإذا قمنا بجمع بناء عمارة تتشكل من عشرة طوابق على مر التاريخ.   

في زمن الحرب البغيضة, ارتفع سعر الدولار, للنيل من اقتصادنا الوطني, واشتعلت أسواق الذهب وتبركنت أرضها, ليحدث ارتباك انعكس على المبيعات, والأسعار تستمر في صعود, دفعت بعض الصاغة أن امتنعوا عن بيع الذهب لفروق الأسعار بين يوم وآخر, قد وصل لأكثر من 500 ليرة.
في هذا الوقت وأمام تقلبات الزمن, تخلت نساء بلدنا الجميلات عن أناقتهن  وتألقهن ببريق الذهب, واندفعن إلى سوق الذهب لبيع ما لديهن من الحلي والمجوهرات, وأقدمن بكل ثقة وجدارة  على وضعه تحت إشارة البنك, للحفاظ على قيمة الليرة السورية, وإنعاش الاقتصاد.
استوقفني في طريقي إلى السوق, أحد المحلات والذي كتب على أحد أوجه زجاجه (شراء الذهب) ولما سألت صاحبه عن أسباب وجود  هذه العبارة, أجاب:  نعم هو محل فضيات لكنه يشتري الذهب, فقد كان في السابق وقبل الحرب مكاناً لبيع وشراء الذهب لكنه سرق, لهذا هم باقون على صنعتهم, ويشترون الذهب ويصيغونه من جديد, بيد فنان يجيد التشكيل والترتيب بكل شاعرية وذوق, وعن حركة الشراء أكد أنها خفيفة, فسعر الغرام الواحد من الذهب عيار 21 يصل ما يقارب 19 ألف ليرة سورية,  والناس تضيق بهم الحال, والمعيشة صعبة وبالكاد يستطيعون شراء الخبز والطعام, حتى أن الكثير منهم يبيع ذهب زوجته, كما يبيع خاتم الزواج, ونادراً ما يأتي أحدهم اليوم بغية شراء هدية زواج أو عيد ميلاد, حول ما إذا كان بمساعدة ترجى من جمعية الصاغة والمجوهرات قال:
هناك بعض الحالات التي لجأنا إليها فيها, وقدمت الحل والمساعدة, مثل: عند شراء الذهب من أي زبون, يجب إرفاق قطعة الحلي بالورقة التي سجلت فيها والمواصفات, ولم تكن بالعيار نفسه,عند الكشف وسكبها وإعادة صياغتها,  عندها ألزمت الجمعية صاحب المحل بدفع الفروق والتعويض.


وتابعنا المسير بعد هذا العرض الوفير, لنصادف بعض الشباب, قد تجمهروا حول بسطة, توسدت أركانها سلاسل وأطواق ومحابس يخطف بريقها الأنظار, فقلت بالله, هذا ذهب أم فالصو يا ناس؟ رد أحدهم يقبع تحت مظلته: إنه ذهب روسي, والقطعة الصغيرة منه 1500 ليرة, فماذا اخترت؟
وعلى بعد خطوات, فاجأني مكان أنيق, والناس منه دخول وخروج, تعتلي واجهاته الزجاجية حلي ومجوهرات رفيعة الذوق, وخفيفة الظل, دفعت الباب وانتظرت بعض الوقت, استرق السمع والنظر إلى ما يجري في المحل, لأفهم أن معظم هؤلاء الشباب, قد أتوا لشراء المحابس, وبعضاً من المصاغ للخطبة, وقد لاحظ الشاب في المحل, أني أرمقه ببعض النظرات, فسألني: ماذا؟
رددت بأني أريد بعض الاستفسارات, فقال: وما السؤال؟
رددت: ماذا عن هؤلاء الشباب؟ قال: يريدون الخطبة والزواج, وما باليد حيلة, فالحال عسيرة, وليس بمقدورهم أكثر من محبس ذهب روسي, وأكد أن الذهب الروسي ينافس اليوم الذهب الأصلي في قوة الشراء, أنه بدأ العمل فيه منذ أكثر من سبع سنوات, حيث قدم من حلب وفتح المحل, وأشار إلى أن نساء حلب يشترون الذهب الأصلي عند الخطبة والزواج, وفي المناسبات والأعياد, يتفاخرن به ويكملن زينتهن بالذهب الفالصو, فمثلاً : المحبس الأصلي يرتفع سعره ليصل 150 ألف ليرة, بينما الفالصو أربعة آلاف ليرة...

 

 

 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة