بين الشط والجبل ... أســــاطير

العدد: 
8931
التاريخ: 
الأحد, 13 آب, 2017
الكاتب: 
بديع صقور

لقريتنا الصغيرة طباع صارت أشبه بالأساطير . . لاترفع صوتها عالياً . . لا تشاكس أحداً . . ولها حكايات أتذكر بعضاً منها:

- كانت في المساءات البعيدة تجمع الحطب والأساطير، وكما النعاس كانت تهرب منا وتختبئ بين أحضان الغابات . . وخلف جذوع الشجر . . . كل صباح . . في سلتها الصغيرة . . تجمع أحزان الشجر والعصافير، ومن عاداتها النوم المبكر. . .  ليلها طويل . . طويل . . .

- كثيراً ما كنت أتسلل خلفها بين الكروم . . أسترق السمع إليها وهي تروي لشلالات الشتاء والشجر أساطيرها الصغيرة . . كانت تخاف أن تحكي قريباً من الجدران، لأنها تعتقد . . لا . . . بل تجزم أن «الجدران لها آذان» . .

-قبيل المغيب تعود . . تنفض يديها من الشوك . . خائبة تعود، والذين تنتظر رجوعهم لا يعودون، هكذا كل مساء يغلف روحها حزن الأيام وقهر السنين.

لقريتنا الصغيرة طباع:

- تحب الطفولة كثيراً

- وتحب الحياة، على الرغم من قهر السنين، ومداهمة الموت المبكر لكل من فيها: الشجر والأطفال، والنساء والعصافير.. يسرق الموت أطفالها كما المدن تسرق القادمين إليها من الحقول.

ولقريتنا إيمان راسخ بأن الموت أوّل من يسرق هم الفقراء.. في رأسها أساطير كثيرة، وقت يحاصرها الأطفال باللغط والأماني، تفتح حقائب روحها، وتخرج لهم حكايات صارت أشبه بالأساطير:» بويوسف»

مات... « عمو حمدو» ضاع من «سفر برلك» ذياب الريح أكلوا الضبع تحت العين . .. «وردة البيضة» أخذها السيل، و «نوح المعلول» بلعه البحر . . . يمكن «أكلوا» السمك؟؟

لقريتنا أساطير كما للأشياء ظلال . . . كل شيء له أسطورة عندها . .. أساطير الليل والظلام والكهوف والصخور لا تنتهي، تقول: -الليل لا يخرج فيه إلا الأقوياء . . كثيراً ما يذهب بعقول الجبناء.. عند تلك الصخرة راح عقل فجر المحمود . . .

ونسألها: من أخذ عقله؟

وتجيب: « الجني» . . .

لقد مزقوا ثوبها وصدرها ونسألها: من التي مزق ثوبها وصدرها؟ وتجيب:

- « نهلة الوراق» مزقت ثوبها وصدرها كلاب «الآغا»

-كلاب «الآغا»؟!

-»يمكن»! الآغا بذاته! . . . «يمكن»!

-لقريتنا طباع، ولنهر الطفولة أساطير..

نهر طفولتها حمامة طارت ذات يوم . . . ذات يوم وذات صباح استيقظت الحياة، وكان حضنها مليئاً بأنهار الطفولة . . .

نهر طفولتها تفاحة حب أشرقت قرب ضفاف الدموع، وانتشرت مع خيوط الشمس على، وفوق كلٍ الجهات . . . دائماً يطفئون نور الطفولة . . . دائماً يحرقون حقل الحياة وهكذا دائماً يغتالون الطفولة، وينشرون ذئابهم في حديقة الحياة...

لقريتنا طباع، تقول:

- وقت يجف نهر الطفولة ينتشر الظمأ وتندثر الحياة.. وتقول:- إذا ما اغتيلت الطفولة تصير الحياة أواراً ورماداً، وبكاء . . . وتقول:- للمدن طباع. . . يغيب فيها التجمل . . وفيها يصفعون رقاب الصغار . .

- لمدينتنا الصغيرة طباع . . لا تفارق البحر . . . تشدُّ على يد السفن عند الرحيل... تلوح للنوارس أن تعود . . وتلوح للشمس من نافذة الجبال.

- لمدن أخرى طباع . . لعواصم أخرى شهية قتل الشجر . . ومدن لا تزال تغتال أنهار الطفولة . . . تطاردها كالوعول.

وهناك... هناك خلف جدران من ثلج توزع عليهم البرد والرصاص... وفي مدينة بعيدة يستيقظ الطغاة، يوزعون حلوى الصباح: حبل من الدمار . . وحبل من سياط، ونهر من دماء:

وللطغاة طباع: لا يحبون الطفولة . . لا يحبون الحمام . . ولا يحبون الحياة . . ولنا طباع: نحب الطفولة . . نحب الحمام . . نحب الشجر، ونحب الحياة . . لا نحب الموت . . لا نحب الطغاة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة