بين الشط والجبل ... ذاكرة المدينة

العدد: 
8930
التاريخ: 
الخميس, 10 آب, 2017
الكاتب: 
إبراهيم شعبان

لزمن قريب كنت أرى في المقهى مكاناً لاجتماع العاطلين والمعطلين، وحيزاً يلتقي فيه الهاربون من نكد الزوجات وطلبات العيال, قبل أن أكتشف أنه فضاء مفتوح على أسئلة الحياة كافة في الثقافة والفكر والمجتمع والسياسة وتناقضات الواقع كبيرها وصغيرها.

في اللاذقية كما غيرها شكَّلت المقاهي ذاكرة المدينة ولعبت دوراً في الثقافة والفكر والفن كما وعكست صورة حية لواقع المدينة ولتفاصيل الحياة اليومية لناسها.

البارحة مررت من أمام المنتدى (أحد مقاهي المدينة) لم أر المنتدى، وجدت جرافات تزيل بقايا المكان، أحسستُ أن أنفاسنا لا زالت عالقة على تلك الجدران التي تحولت إلى ركام اندثرت معه ألاف الصور والحكايا والسجالات.

في ذلك المقهى كنا نلتقي يومياً، مجموعة من الأصحاب جمعتنا المودة كما جمعنا الاهتمام بقضايا الشأن العام، عشرات القضايا كانت تزدحم على طاولة نقاشنا الذي كان يأخذ غالباً شكل سجال أو مبارزة معرفية يحاول كلٌّ منا تسجيل أهداف في مرمى الآخر، فالحوار والحمدلله لازال عندنا في طوره الجنيني، ولم يتحول بعد إلى ثقافة تحفظ حق الاختلاف الذي لا يفسد للود قضية.

لا أعرف سبب الغرام الذي نشأ فجأة بيني وبين تلك الأمكنة التي تزدحم يومياً بفئات عمرية لكل هواجسه وهمومه  ونظرته للحياة والعالم، كما و لكل حزنه وانكساراته وخيباته الذاتية التي يغلق عليها النوافذ والمنافذ كي لا تتحول الى حكاية على موائد المقاهي.

حزنت عندما رأيت الجرافات تزيل بقايا مكان حافظ عبر عقود على نبض إنساني زاخر، وضم بين زواياه شعراء وفنانين ومسرحيين وكتاباً لازال بعضهم على قيد الحياة أميناً على ذاكرة اللقاء الثقافي فبعض الأمكنة ليست حجارة وطين بل لقاء و حنين وخزان ذكريات لا تموت.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة