ســوق الـصفن أقدم أسـواق اللاذقيـة

العدد: 
8928
التاريخ: 
الثلاثاء, 8 آب, 2017
الكاتب: 
هدى علي سلوم ت: حليم قاسم

حنين يطوف في صدر سنين الزمن الجميل، وعلى مدى لم يطله غياب، تخبو قصص حب وشوق عتيقة، فلا تختفي مواجع القلوب، ومواطئ الأقدام، على عتبة كافيتريا ذكريات، والتي كانت ملاذاً لقاصدي سوق الصفن ومرتاديه، حيث تحجرت الآمال والأحلام، لتكون منها الأعمدة والأوتاد، ويقام عليها مبنى لمول تجاري كبير، يلتهم المتسع وأطراف المكان، كما ارتفعت على دكاكين وأرزاق، أشباح بنايات سكنية عشعش فيها الدوري والسنون..
قديماً، وفي أزقة شوارع اللاذقية، كانت توجد عدة محلات تجارية في سوق ضيق، يمتهن أصحابها بيع المنتجات المتنوعة، ونتيجة لقلة البيع في هذا السوق وقت ذاك، أضحى لأصحاب تلك المحلات طبيعة عرفوا بها.
يعد سوق الصفن، والذي اسمه حالياً شارع ابن الوزير، من أقدم الأسواق التي عرفت بها اللاذقية، ويعود تاريخه لأكثر من 100 عام، حيث يبدأ سوق الصفن من نقطة تفرعه عن شارع هنانو، وينتهي عند منتصف شارع 8 آذار، كما تتفرع عنه حارات قديمة، تسمى حارات جرير، كان ضيقاً جداً، أشبه بحارة ضيقة تتفرع منها أزقة صغيرة، ويعتبر من أطول الأسواق، التي كانت موجودة في زمننا، حيث كان متصلاً بشارع العنابة، وطوله يمتد حتى بداية شاطئ البحر قديماً، والذي بني عليه المرفأ حالياً، ويقال إنه سمي بسوق الصفن، لكثرة جلوس أصحاب المحلات، على أبواب محلاتهم، نتيجة لقلة المرتادين من الناس إلى هذا السوق وقلة البيع، كانوا يسرحون في هموم الحياة، عندما كانوا يجلسون على أبواب محلاتهم لساعات طويلة، كما تعود إلى الناس، الذين كانوا كثيري الصمت آنذاك، حين كانوا يجلسون في المقهى، الذي كان يقبع في منتصف السوق بشرود وصفن، وهم يسمعون أصوات مطربين قدامى  أمثال: أسمهان وفريد الأطرش وأم كلثوم، الذين كانت تخرج آهاتهم من مذياع المقهى.. 


في جولة على المحلات لتي توزعت على ضفتي الشارع: محل الوزان- شيخ العطاري

   
عند دخولك هذا السوق تلفح وجهك عطور وبخور الوزان، فهو النقطة العلامة  في السوق، كما أنه الدكان الأول، منذ أكثر من مئة عام، ولا زال على حاله إلى اليوم، ولكنه زاد بالطوابق ليكون بثلاث منها، و بعد أن توفي الأب أصبح المكان لاثنين من الأبناء، الأول بقي على صنعته والآخر غيّر المهنة والصنعة، وحجته في ذلك، الكهرباء التي تنقطع على الدوام، وهو ما جعل المواد الغذائية في فساد، كما أن التجار من دمشق قد ولت أدبارهم ولم يعودوا يأتوه بالبهارات، وخفت الحركة في الأسواق، وهو ما أتى على صنعته وبيته بالخراب، فما كان منه إلا أن انقلب لبيع الأواني وأوات المطبخ، فالألوان أزهى، ولا مكان للوزن اليوم  الذي جاء بالوزان أيام زمان.

 

 

محل اسرب لبيع المعجنات وزائريه في إياب وذهاب، في حديث وجواب، بين شد و مد كان: 


أشار أحد الأخوة وهم خمسة يعملون في المكان، أن الشارع والمحل  وحتى زبائنه والناس تغيروا كثيراً، وقال:  رحم الله أيام زمان، حيث كان المحل يضج بالناس، افتتح والدي هذا المحل 1920، ولم يكن في الشارع سوى 7 دكاكين صغيرة، و5 بيوت أرضية ولم يكن يوجد طابقان، من الأسر التي سكنت الشارع ( طرابلسية، مطر، حوس، محفوظ ) كنت صغيراً وآتي إلى المحل لمساعدة والدي وكذلك أخوتي بعد انتهاء دوامنا في المدرسة، ولم يكن لدينا يوم عطلة، حتى أيام العيد نشتغل لنزود أهل الحي بالخبز اليومي، من فرن حجري غادر هذا الزمان،  وجميعنا والحمد لله تخرجنا من الجامعة، وأخوتي دكاترة ومهندسون هم خارج البلاد منذ عشرات السنوات ولم يبق غير نحن الثلاثة، نتابع ما تركه لنا والدي من عمل، أي ثلاث أسر تقتات من رزق المحل، واليوم تغير كل شيء حتى رائحة الخبز وطعمه، والشغل قليل، ففي رمضان لا نستهلك أكثر من 3 أكياس طحين، وفي الأيام العادية كيساً ونصف الكيس، والضرائب زادت كانت 14ألف ليرة واليوم 80 ألف ليرة، هذا عدا عن بعض المنغصات كانقطاع الكهرباء.

 

محل الفلسطيني للخضار والفاكهة 


خضار وفاكهة متأنقة بألوانها الغضة، وعطورها التي تجذب من يدخل الشارع والحي، يقول صاحب المحل الرجل القدير عبد الله وليو، وأولاده الثلاثة في قيام وقعود لتلبية حاجات الناس مما يزخر به الدكان، سمي المحل بهذا الاسم نسبة لشريك والده، والبناء كان حجراً قديماً، للمحل والدار الذي يستحوذ جزءاً كبيراً منه، إلا أنه ضاق بعد توسع الشارع، وإقامة البنايات، كان آجاره 30 ليرة، وبعد أن انفرجت الحال اشتراه ليكون اليوم ملك الأب والأولاد، يأتون بالخضار والفاكهة الطازجة من كسب، ذات الجودة العالية في الطعم والرائحة واللون، ويضيفون على رفوف توسدت سرائر الجدران، بعض المعلبات، وحاجات البيوت من السمن والمحارم والصابون، يتآوه الأب ويقول: يا محلا أيام زمان، حيث سكن الحب والخير والبركة والشكر لله.

 

وعلى نفس الحال وامتداد الشارع هو محل الكوي وغسل الثياب:


مكان يضيق بمكواة البخار الكبيرة، وبعض حوامل الألبسة المكوية، وأخرى استندت على مساند وكرسي لصاحب المحل مع دفتر التسجيل، والذي أكد على أنه في زمن الوالد، كان الكوي على الفحم والبابور وذلك في الخمسينيات من القرن الماضي، ولم يكن ليكلف الزبون ( 2- 5 ) ليرات فقط، والشغل وفير، والمحل يضج بأصحاب الشأن والموظفين، فهم من يطلبون الثياب النظيفة والمكوية لظهورهم متأنقين، وبأبهى حلة، لأجل الأعمال الإدارية ورفيعي الشأن، أما اليوم فالكوي على الكهرباء، ليخف عدد زوار المحل، فالجميع اليوم يمتلك الوقت والماكينات والغسالات والمكواة، والتي لا تتطلب أي جهد يذكر، والزبائن اليوم ممن يقصدون المكان في خفة واستعجال، ولا يأبهون لقطع في الكهرباء أو حتى الماء، يريدون كل شيء جاهزاً في الوقت الذي يتذكرون، وهم على غفلة من أمرهم، ولا يدرون بما يحصل ويصير، ليفقد صبره ويطيش حجره، وصاحب المحل يركن كرسيه خارجاً، ويشرب قهوته يترقب وهج الكهرباء، حتى تمل منه ساعات النهار.

 

محل فطائر الشباب


يعود العمل فيه لأكثر من 11 سنة، محل صغير تستطيع أن تحصي فيه عدد البلاطات، ورثه عن والده، الذي كان يحضر فيه الفول والحمص الناعم والمسبحة، لأجل إفطار الناس والترويقة التي تزدان بخبز الصاج، واليوم تخمر عجين خبزه، كما عجين قصصه مع الناس، والتي عبقت بصبغة تطور المهنة ليكون من العجين البيتزا والفطائر بأنواع، الجبنة والقريشة والفليفلة و.. يقول صاحب المكان وبجانبه شاب صغير ينظف البراد:
صحيح أننا غيرنا تشكيل العجين وتلوينه، ليكون لوحة فيها التجديد، تستهوي زبائن اليوم، كما أن لغلاء أسعار المواد التي نصنع منها طعامنا دور في التغيير، فقد كان صحن الحمص  35 ليرة، واليوم أكثر من 400 ليرة، من يشتريه؟
لم نغير هدفنا وهو الزبون الجائع، الذي جال في السوق وشعر بصرير أمعائه تدفعه لطرق بابنا، واستجلاب بعض الفطائر المالحة واللاذعة والمحلاة، الخفيفة على المعدة الفارغة، والجيب المثقوب، وصحة وهنا يا خير الناس.

 

وفي ختام جولتنا كان لا بد من التحلية عند كنافة سمعان

 لكن لدى وصولنا الزقاق الصغير، الذي يسكنه المحل، فاجأنا جاره بأن المحل لم يفتح منذ أكثر من شهرين، ولما سألناه السبب، أكد أنه لا يعرف شيئاً.وفي مسيرنا خطوات قليلة لنصل إلى محل التسجيل والصوتيات ( دو ري مي )، الذي تختزن ذاكرته الآلاف من الكاسيتات القديمة لكبار المطربين، حيث كان يرفع الصوت للطرب الأصيل مع أسمهان وفريد وأم كلثوم وعبد الوهاب .. ولكن المكان مقفل وصاحبه  فايز فضول في استراحة- ومن المعروف عنه أنه من أعلام اللاذقية في التأريخ والموسيقى، ولديه الكثير من المؤلفات، وهو ما أخبرني عنه الأستاذ حيدر نعيسة- الباحث في التراث، كما زودني ببعض المعلومات عن سوق الصفن حسب ما سمعه من الأستاذ فايز القابع فيه، فكان فيها قصة وجواب لسؤال:
في العشرينيات من القرن الماضي، كان الشارع ضيقاً ولا يتسع لأكثر من اثنين يترافقان المشي في السوق، وعلى كلا جانبيه دكاكين ومحلات تجارية ومهنية، وبسبب قلة الشغل وضعف الحيلة وحركة الشراء وخاصة في ساعات الصباح، حيث كان أصحابها يفتحون أبواب رزقهم باكراً، قبل طلوع الشمس وضوء النهار، والدليل على ذلك أنهم كانوا يضيئون لمباتهم الكهربائية داخل ظلمة جدرانها لتشع في السوق نوراً وبهاء، ويقبعون خارجاً على كراسيهم، بعد أن يكونوا قد رشوا الماء أمام محلاتهم، لتكتسيها حليه كما حبات الندى على أوراق الأشجار، يرشفون القهوة والشاي، لتكتمل لوحة حي فيها كل الجمال، ونظراً لاستيقاظهم باكراً كانوا يكملون غفوتهم على الكرسي أو يغطون في سهوة أحلامهم حتى ساعات النهار، ليدفع كل من يمر في ذاك الشارع أن يتساءل عن خطبهم، لماذا هم على هذه الحال؟