حي الصليبة في اللاذقية . . وأصالة التاريخ

العدد: 
8918
التاريخ: 
الثلاثاء, 25 تموز, 2017
الكاتب: 
ندى كمال سلوم

عندما يروي الحاضر قصص الزمان الغابر ...  وعندما يجسد المكان  أفكار ومعتقدات أناس سكنوا وعاشوا في أحضانه وبين ظلاله .. وعندما ترنو بنظرك إلى صور التاريخ العريق عبر حرف تراثية تقليدية يدوية يرسمها أصحابها بكل إتقان وخبرة , فأنت في مكان قد دخل عمق التاريخ بجدرانه ومعالمه   وتداخلات حجارته التي تشعرك  أنها ما زالت باقية صامدة شامخة كشموخ جباه أهلها الذين جمعتهم الألفة والمودة والمحبة على مرّ الأيام .
 رحلتنا لهذا اليوم إلى حي الصليبة ,الذي يجمع التاريخ في ثناياه وتفاصيله فهو من أقدم الاحياء الموجودة في محافظة اللاذقية وذلك لتنوع وتعدد آثاره وتميزها عبر العصور .

معالـــــم الحـــــي

أزقــة ضيقــة قديمـة

   

 يعد حي الصليبة من أكبر أحياء مدينة اللاذقية ومن أقدم المناطق التي سكنها البشر على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. وتشكل معالمه إرثاً يميز الحي وأهله ومدينة اللاذقية والساحل السوري عموماً ,ونظراً لتنوع آثاره وتباينها عبر عصور عديدة فقد شكل عبر قدمه  محور جذب انتباه غالبية الباحثين للغوص في تراثه .. يحوي الحي آثاراً رومانية ومملوكية وعدداً من  الأبنية التي ترقى لأواخر العهد العثماني وبداية القرن العشرين , ومن سمات هذا الحي والتي تجعله متميزاً وجوده وسط المدينة وهذا ما يكسبه أهمية كبرى, إضافة الى المرافق الهامة التي يحويها ويمكن في الحقيقة تمييز الشوارع العريضة والأبنية الحديثة في الحي من جهة والأزقة الضيقة من جهة ثانية. ويحوي الحي عدداً من الأسواق الشعبية والحديثة  , ولعل شوارع بور سعيد واليرموك , ميسلون وبغداد أهم شوارع الحي . فضلاً عن ساحتي أوغاريت وبور سعيد في حين تعتبر حديقة أبي تمام أهم حدائق  الحي العامة وأكبرها .
 و يقول الباحث التاريخي جمال حيدر عن هذا الحي بأنه متميز بتفرده بالقدم الزمني الذي  يبدو واضحاً من خلال أزقته القديمة والقباب التي تعلو المساجد القديمة والأمر الذي يميز هذا الحي روعة  العادات والتقاليد الاجتماعية أثناء الاحتفالات والمناسبات الدينية وأيام الاعياد ولياليها وعن أسواق هذا الحي قال الباحث حيدر : إذا مررت في أسواق الحي المتطرفة البعد فيما بينها رأيت ترتيباً  في بنيان السوق من حيث المواد المقدمة والموجودة على طاولات الباعة , ابتداء من اللحوم والأسماك والخضار والفواكه  ووصولاً الى سوق الحرفيين وأصحاب المهن اليدوية , ولا يمكن نسيان اللهجة المميزة لسكانه الذين نلمس  منهم تميزاً  واضحاً في أدائها وهي اللهجة التي تفرد بها سكان الحي منذ القدم  و مازالوا حتى الآن يتداولوها في حياتهم  العادية اليومية  .. وفي عمق هذا الحي انتشرت المقاهي القديمة لتغطي كامل  الحي ولتستمر مع مرور الزمن والأيام بالقرب منها انتشرت المطاعم الشعبية التي مازالت تحافظ على مذاق أطعمتها  الى الآن وإذا اخترقت الحي ترى في صدر حديقته  القديمة  الدير الصغير الذي بقي منه ما يسمى بالكنيسة المعلقة .

 أصل التسمية  

 يقال أن الصليبين حين احتلوا مدينة اللاذقية سكنوا بهذا الحي قبل تحرير اللاذقية من قبل صلاح الدين الأيوبي ,واستقروا في الحي دوناً عن سائر أحياء اللاذقية القديمة  . وقد تعود التسمية إلى تصالب شوارعه لاسيما الشارعين المتصالبين اللذين يلتقيان عند قوس النصر أو ( الكنيسة المعلقة ) التي بنيت في عهد الرومان والتي تقع في منتصفه , حيث شكل هذا الحي محور دراسات متعددة من قبل الباحثين التاريخيين الذين تعمقوا  في خبايا تراثه وقدمه .

أعمــــدة باخــــوس

د. رفيف هلال

تقع في الجهة الشمالية الشرقية من قوس النصر في مدينة اللاذقية، وعلى مسافة 002 م منه تنتصب أربعة أعمدة ضخمة من الغرانيت ارتفاعها 8 أمتار تعلوها تيجان كورنثيّة من الطراز الإمبراطوري ثلاثة منها على نسق واحد والرابع إلى يسارها بحيث يشكل معها زاوية قائمة وتيجان الأعمدة مزينة بنقوش بنائية جميلة، تعتبر هذه العمارة جزءاً من معبد قديم ينسب إلى باخوس إله الخمر و الكرمة عند الرومان. كانت الفوضى العمرانية قد زحفت إلى هذه الأعمدة فأحاطتها بجدران حجرية، وأدخلت ضمن بناء استخدم كمسجد في العصر المملوكي منتصف القرن الرابع عشر الميلادي . قامت الدولة عند تجميل منطقة الصليبة والأشرفية المجاورة لها، بشق طريق في مكان الأعمدة فأزيلت الأبنية المجاورة والجدران التي كانت قائمة بين الأعمدة وما حولها فعاد إليها رونقها السابق .

 جامــــع الصليبــــة

 يقع المسجد في حي الصليبة إلى الجنوب من قوس النصر وربما أخذ اسمه من الحي الذي بني فيها ويعد من المساجد المتوسطة القدم . حيث تشير لوحة جدارية مكتوبة على بابه الغربي الى انه بني عام 1750 وفي الحقيقة لا يوجد نص رسمي يؤكد تاريخ بناء المسجد سوى وثيقة رسمية تشير الى تعيين خطيب ومدرس لهذا المسجد تاريخها يعود الى 1162هـ – 1749 م وبخصوص وصفه المعماري , المسجد عبارة عن كتلتين معماريتين الاولى حديثة وهي عبارة عن فراغ سماوي مربع الشكل فيما تغطي باقي المساحة .ببلاطة بيتونية محمولة على أربع ركائز لها هيئة أقواس تستند  على أربعة أعمدة بيتونية على  جسور متقاطعة تمتد على أربعة اعمدة دائرية المقطع , أما الكتلة  الثانية فهي قديمة تدعى بالحرم الداخلي وهو مسقوف بأربع قباب دائرية القاعدة مرتفعة محملة على أقواس ترتكز أربعة منها على عمود دائري , فيما  تتداخل الأقواس الباقية مع كتلة الجدران الحاملة لها ويمكن تمييز قسمين في المئذنة : داخلي  على شكل مستطيلات متوازية , وخارجي يشكل جسم الحرم وهو عبارة عن اسطوانة مقسمة الى ثلاثة أجزاء , اثنان منها متساوية الإرتقاع في حين تظهر في القسم الآخر من الجزء الثاني أشكال هندسية والجزء الثالث يمكن تقسيمه الى ثلاثة أجزاء ,منها ما هو خشبي مفرغ بهيئة  نوافذ وقسم مضلع حجري ذو عشرة أضلاع يستند مباشرة على أسطوانة مقطعية ,وآخر عبارة عن قبة كروية صغيرة وهي القسم الأخير من المئذنة ..... ويمتاز هذا المسجد بأن قببه الأربع يحملها عمود واحد وقد صنّف كمجسد أثري في اللاذقية .