مبنى السرايا القديمة في مدينة جبلة .. تاريخ .. وعراقة

العدد: 
8908
التاريخ: 
الثلاثاء, 11 تموز, 2017
الكاتب: 
ندى كمال سلوم

الزيارة الأهم للسرايا زيارة القائد الخالد حافظ الأسد بتاريخ 17/1/1971

حجارةٌ عريقةٌ تنطق بأصالة الزمان، تحكي قصص الأولين وتروي أخبارهم وسيَرهم... صروحٌ حضاريةٌ تميز الأرض والتراب والمكان.
مكانٌ كباقي المدن السورية التي تزخر بالعديد من المواقع الغنية المتنوعة..
إنها «جبلة» التي تحتضن الأوابد والصروح التاريخية كالمسارح والحمامّات والجوامع والمباني الأثرية ومن هذه المعالم الهامة مبنى السرايا القديمة الذي سيكون محور مادتنا لهذا اليوم بغية التعرف على هذا التراث العظيم على أرضنا المعطاءة على مرّ العصور.

تاريخ مبنى السرايا

بداية الأمر ... التقينا الباحث التاريخي ابراهيم خيربك الذي توجهنا إليه بجملة من الأسئلة المتعلقة حول هذا المبنى , مراحل تأسيسه وتاريخ بنائه والترميمات التي طرأت عليه فأجابنا مشكوراً بالآتي : يعد مبنى السرايا القديمة نموذجاً لأهم المباني في الساحل السوري إذ يقع في مدينة جبلة القديمة على تقاطع المحورين الرئيسين للمدينة وهما صلة الوصل مع قرى جبلة وباقي المحافظات , المحور الأول يتجه غرب شرق ليخترق المدينة عرضاً بين اتوستراد دمشق اللاذقية والمرفأ الفينيقي والمحور الثاني يخترق جبلة طولاً من الشمال حتى يصب في واجهة السرايا جنوباً ومتعامداً معها , كما أنه يقابل أهم معلم أثري روماني على الساحل السوري ولا يبعد عنه سوى 100 متر ... وللمبنى أهميته السياسية والتاريخية والاقتصادية والاجتماعية والدفاعية والتجارية لوجوده ضمن النسيج العمراني المتميز والمنسجم إلى حد كبير مع النسيج الموجود في المدينة القديمة من حيث نماذج الفتحات وتلاصق البيوت والفسحة السماوية ووجود السيباط وارتفاعاته , ومن حيث المساحة مقارنة مع بيوت جبلة القديمة .
كان مبنى السرايا محور دراسة رسالة ماجستير من قبل المهندس ابراهيم خيربك عام 2007 في المعهد العالي للدراسات العليا في ترميم وتأهيل المباني والمواقع الأثرية والطبيعة في باريس , وذلك لمعرفة تاريخ المبنى وأصل استخداماته والسيرة التاريخية والاجتماعية , وأثره في الحياة بين أهالي جبلة وقد أوضح لنا الباحث خيربك بأن الطابق الأرضي بني في نهاية الفترة المملوكية وبداية الفترة العثمانية ومن خلال الأسبار التي أجريت في أرض مبنى السرايا تبين أن هذا الطابق يعود إلى القرن السادس عشر , والبناء المعروف حالياً بالسرايا هو ليس كل السرايا بل أكبر من ذلك وهو يمتد باتجاه الغرب ليضم بيت يعقوب آغا المؤلف من طابقين والملاصق للسرايا من تحت السيباط وهو الآن مغلق وغير مستخدم . وقد جرت محاولات منذ بداية القرن الماضي لإجراء حصر إرث لها ولكن دون جدوى , وبعد دخول الفرنسيين بدأت عمليات التحديد والتحرير 1925 من قبل قاضي جبلة الياس الشيخ من بلدة مرمريتا , حيث رغب الفرنسيون في الاستيلاء على مبنى السرايا وحينها طلب قاضي جبلة من أحد وجهاء المدينة التدخل لدى مالكي السرايا ليتنازلوا عن ملكيتها مقابل مساعدتهم في حل مشاكلهم في المدينة وبعد ذلك تم نقل الملكية إلى الدولة بعملية التحديد والتحرير . وبناءً على طلب وزارة الداخلية بتاريخ30/9/1961 فقد قررت وزارة الزراعة مالكة البناء تخصيص مبنى السرايا لمصلحة وزارة الداخلية وقد تحولت السرايا إلى مكاتب حكومية , وفي عام 1998 تم تسجيل المبنى أثرياً وقد تم تخصيص القسم الأكبر من الطابق الأول عام 2006وقسم من الطابق الأرضي عام 2010 لصالح دائرة آثار جبلة .

أعمال السبر الأثريةفي السرايا

 

تم اختيار السبر في الجهة الجنوبية الغربية من المبنى ضمن سوق الصاغة بأبعاد تناسب ظروف العمل ضمن السوق , وأظهرت أعمال التنقيب في الكشف عن السويات الأثرية التالية السوية الأولى تعود للربع الأخير من القرن العشرين وتضم الطبقات التالية : الأولى عبارة عن طبقة مؤلفة من بلاط حديث والثانية طبقة من الإسمنت وضعت من أجل تماسك البلاطات والثالثة عبارة عن طبقة من الرمل البحري مع نسبة كبيرة من الكلس والطبقة الرابعة عبارة عن طبقة من الرمل البحري أما الخامسة فهي طبقة من الإسمنت تحوي على نسبة كبيرة من الرمل والسادسة هي طبقة قليلة السماكة من الإسفلت السابعة طبقة من الإسمنت تحوي على نسبة كبيرة من الحصى البحري الصغير والملاحظ في هذه السوية أنها خالية من العناصر المعمارية وهي عبارة عن طبقات حديثة مختلفة المواد وذلك حسب التقنيات المعروفة لرصف الطريق في هذه الفترة أما السوية الثانية فتعود للنصف الأول من القرن العشرين وتضم الطبقات الآتية الطبقة الثامنة عبارة عن طبقة بنية مائلة للرمادي تحوي على نسبة قليلة من الحصى البحري الصغير الحجم وعلى نسبة قليلة من الكسر الفخارية تعود للفترة العثمانية أما الطبقة التاسعة فتقع في الجهة الغربية من السبر وهي عبارة عن أرضية رملية مدكوكة بلون أصفر قليلة السماكة مؤلفة من طبقة من الصخر المعروفة في الجهة الشمالية الغربية من مدينة جبلة ضمن منطقة الجبيبات . أما الطبقة العاشرة فهي قناة مبنية من الإسمنت مختلطة مع الحصى البحري الناعم تقع في الجهة الشرقية من السبر ملاصقة للجدار الغربي لمبنى السرايا وقد تمثلت هذه السوية بوجود قناة مبنية من الإسمنت وذلك من أجل تصريف مياه الأمطار حسب نظام تصريف الشوارع المعروف خلال هذه الفترة . أما السوية الثالثة فتعود للفترة العثمانية وتضم الطبقات الأثرية التالية . الطبقة الحادية عشرة عبارة عن تربة رطبة بلون رمادي تحوي على نسبة قليلة من الحصى , عثر على بعض الكسر الفخارية بينها كسرة تعود للعصر الهلينستي , وكسرة من الخزف وبعض الكسر تعود للفترتين المملوكية والعثمانية أما الطبقة الثانية عشرة فهي عبارة عن أرضية رملية مدكوكة قاسية بلون أصفر تتراوح سماكتها بين 5-8 سم والملاحظ في هذه السوية بأنها خالية من العناصر المعمارية وأن المنطقة كانت مستخدمة كشارع خلال هذه المرحلة والسوية الرابعة تعود للفترة المملوكية وتضم الطبقات الأثرية التالية : الطبقة الثالثة عشرة وهي عبارة عن تربة رطبة بلون رمادي تحوي على نسبة قليلة من الفحم وعلى بعض الحصى البحري الناعم وبعض الحجارة الصغيرة أما الطبقة الرابعة عشرة فهي عبارة عن تربة بلون أحمر بسماكة 5 سم والطبقة الخامسة عشرة عبارة عن قناة مبنية من الحجارة الرملية المتوسطة الحجم مبنية بشكل نصف قوس والطبقة السادسة عشرة عبارة عن بنية مائلة للرمادي تحوي على نسبة قليلة من هباب الفحم وعلى نسبة قليلة من الحصى الناعم وتقع في الجهة الجنوبية من القناة عثر فيها على بعض الكسر الفخارية تعود للعصر الروماني والبيزنطي والأيوبي والمملوكي بينها كسرة مزججة بلون بني مصفر وعلى ضرس لحيوان عشبي انتهت الطبقة على مستوى الصخر الطبيعي على عمق 235 سم والطبقة السابعة عشرة عبارة عن طبقة متوضعة داخل القناة , التربة بلون أسود رطبة موحلة عثر فيها على عدد قليل من الكسر الفخارية تمثلت هذه المرحلة بوجود قناة مبنية من الحجر الرملي ويبدو أن هذه القناة كانت تستخدم لجر المياه المالحة (صرف صحي ) وأنها كانت مبنية ضمن شارع يعود لهذه المرحلة .

مكونـات المبنى  

 

 


يتألف المبنى من كتلة معمارية كبيرة تأخذ شكل مستطيل مبني بحجارة رملية متوسطة الحجم مقطوعة بشكل جيد وتبلغ مساحة المبنى 2000 م2 مؤلف من طابقين . الطابق الأرضي يحوي فناءً داخلياً يأخذ شكل مستطيل ابعاده 16×13م وتحيط به أروقة ذات أقواس وفي الجهة الغربية من الفناء الداخلي يوجد مدخل ثان للطابق الأرضي يؤدي نحو السيباط , ويتألف الطابق الأرضي من عدد من الأقبية المبنية بشكل عقود وقد استخدم القبو الجنوبي كأسطبل هذا وقدم الباحث خيربك شرحاً عن الطابق العلوي حيث أشار أنه يتم الصعود إليه عبر درج ثنائي في الجهة الشمالية ينفتح على نفس الفناء الأرضي ومحاط من الجهات الغربية والشرقية والشمالية بأروقة مزينة بأقواس بسيطة في منتصف كل جهة حيث يوجد قوس مزين بزخرفة نباتية ويتألف الطابق من عدد من القاعات مختلفة الأبعاد تنفتح بأبواب ونوافذ كبيرة ويرتبط الطابق الأرضي مع العلوي بدرج يقع في الجهة الغربية. وقد أثرت طبيعة استخدام السرايا في إحداث تغييرات في البناء وتوزيع الفراغات وإضافات كتلية ساعدت على تشويه البناء منذ بداية القرن العشرين حتى نهايته حيث ظهر مفهوم الحفاظ على التراث بين عامة الشعب وقد وضعت تشريعات صارمة من قبل الدولة للحفاظ على التراث بشكل عام وقد توقفت التشوهات والتعديات على البناء عند الحد الذي وصلت إليه في نهاية القرن الماضي .

سوق الصاغة والسرايا


ذكر لنا الباحث خيربك بأن موقع السبر ضمن سوق الصاغة الذي يعتبر جزءاً من مبنى السرايا يشكل معه وحدة معمارية مترابطة ( سيباط) وهو أحد العناصر المعمارية التي عرفت خلال الفترات المملوكية والعثمانية ولهذا فإن مكان سوق الصاغة كان قد استخدم كشارع خلال الفترتين المملوكية والعثمانية ومازال يستخدم كشارع حتى الوقت الحالي ومن خلال السبر يمكن تتبع مراحل تأسيس المبنى والكشف عن الأساسات حيث تبين أن الأساس قائم على الصخر الطبيعي على عمق 2,35 م , وهو مستوى الصخر الطبيعي المعروف ضمن هذه المنطقة حيث نجد أن التأسيس تم على أساس جدار قائم على الصخر الطبيعي محفوظ على ثلاثة مداميك , يعود غالباً للعصور الكلاسيكية ( الفترة الرومانية ) وتم إملاء بعض الفراغات ضمن الجدار بحجارة رملية متوسطة وصغيرة الحجم  ومن خلال تتبع طبقات السبر وبعض العناصر المعمارية للمبنى يمكن تأريخ بناء الطابق الأرضي له للقرن السادس عشر الميلادي أما الطابق الأول فيعود لبداية القرن العشرين .