مدافن الجبيبات في جبلة... معالـم حضـاريـة هـامـة في السـاحـل الســـوري

العدد: 
8898
التاريخ: 
الثلاثاء, 20 حزيران, 2017

تتسابق الأفكار وتتزاحم معبّرة عمّا يجول في المخيلة لنشدو ونغني دوماً على أغصان التاريخ والعراقة والأصالة. علّنا نقدمّ زاداً غنياً متألقاً باستمرار كحديقة غناء نأمل أن تظلّ ورودها زاهية متفتحة تستفيد منها الأجيال القادمة وتنشر عبقها عبر الأزمان والعصور...
ولا يخف على أحد... في الشرق أو في الغرب... الأهمية التاريخية للمعالم الاثرية التي تختزنها أرض سورية... ولعلّ مدافن الجبيبات في مدينة جبلة بمحافظة  اللاذقية- مدينة التاريخ النابضة بالحياة- إحدى هذه المعالم الهامة التي تمثل حضارة طويلة من تاريخ جبلة في مختلف العصور...ونحاول في رحلتنا لهذا اليوم تقديم لوحة كاملة للإحاطة بكل تفاصيلها بهدف تعريف الأجيال القادمة  فلنبحر في عوالمها وجزئياتها.

   

موقع المدافن وتاريخها

     
في البداية التقينا الباحث الأستاذ إبراهيم خيربك الذي حدثنا عن مدافن الجبيبات و أهميتها التاريخية قائلاً:
الجبيبات حي سكني كثيف بالسكان في الوقت الحالي أما عن ماضيه فقد اتخذ اسمه من كثرة المدافن الموجودة فيه والتي تشبه الآبار..
 والجبيبات مفردها جب وتعني البئر وهذه المدافن مكشوفة إما بسبب الحت البحري أو بسبب الاكتشاف العرضي في العقود الثلاث الأخيرة بسبب حفريات فرضتها أعمال التوسع في البناء للمدينة الحديثة ولذلك يجب على الساكنين في هذا الحي تقدير المكان التاريخي الذي يسكنونه فكثير من الشعوب الأخرى تتمنى زيادة الآثار في أنحاء العالم، فكم من الروعة أنك تسكن حيث مر الكثير من شعوب الأرض وكم من مرة قالها علماء الآثار الذين زاروا جبلة منذ سنوات ( إنكم في هذه المدينة تسكنون فوق مدن، حضارات كاملة فاعتنوا بما تملكون).
 وعن موقع مدافن الجبيبات أجاب:
تقع مدافن الجبيبات في الجهة الشمالية الغربية من مدينة جبلة القديمة على بعد 500 م شمال غرب مسرح جبلة الروماني، حيث تبدأ من منطقة جب الطاحون وحتى خليج الرميلة. وهي بطول 1600 م. وعرض حوالي 300م، وقد بدأت أعمال التنقيب فيها منذ عام 1977، وبشكل عام كانت عبارة عن حفريات طارئة نتيجة القيام بأعمال إنشائية في المنطقة.
وبلغ عدد المدافن المنقب عنها 155 مدفناً جماعياً وقبراً فردياً. وتتصف هذه المدافن بأنها محفورة في الصخر وهي خالية من العناصر الزخرفية كمدافن تدمر أو مدافن جنوب سورية المعاصر لها.
 وعن تاريخ هذه المدافن قال:
ومن المعروف لدى الناس أن هذه المدافن تعود للفترة الفينيقية، ولكن من خلال المكتشفات الأثرية منها تبين أن بداية الدفن كانت منذ النصف الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد ( بداية العصر الهلينستي) وحتى القرن الرابع الميلادي ( نهاية العصر الروماني) بالرغم من وجود بعض القطع الأثرية والتي تعود لنهاية  القرن الثامن وحتى الرابع قبل الميلاد ( العصر الفينيقي)... وقد تم تحديد ثلاثة أنماط من الدفن في هذا المدافن: فالنمط الأول عبارة عن مدافن جماعية ذات مداخل بشكل بئر ونسبتها 19% والنمط الثاني عبارة عن مدافن جماعية ذات مداخل بشكل درج ونسبتها 23% والنمط الثالث هو قبور فردية نسبتها 58% أما توضع القبور في هذه المدافن فإنه في بداية العصر الهلينستي ( نهاية القرن الرابع قبل الميلاد) كان الدفن يتم ضمن قبور فردية محفورة في الصخر متوضعة بشكل منتظم باتجاه (شرق – غرب) والرأس دائماً باتجاه الشرق، حيث كانت تغطى بثلاث أو أربع بلاطات حجرية وفقاً لحجم البلاطة. وفي بداية القرن الثالث قبل الميلاد بدأ الدفن على شكل مدافن جماعية وغالباً كانت مداخلها تأخذ شكل بئرٍ أو ممر ومن ثم في نهاية العصر الهلينستي ظهرت المدافن ذات المداخل على شكل درج لتظهر بعدها المعازب العرضية... .وبشكل عام لم تعرف أنماط الدفن في جبلة خلال العصر الهلينسيتي التوابيت الفخارية ولكن إن تم الكشف عن مثلها خلال هذه الفترة فستكون من أنماط توابيت منطقة عمريت والتي تأخذ شكل آدمي لأن الدفن كان يتم ضمن القبر ومباشرة على الأرض.
وقد تم الحصول على مجموعة متنوعة من الأثاث الخبائزي في هذه المدافن التي ظهرت في عام 2005 على الرغم من نهبها وتخريبها سابقاً. مثل سرج فخارية تعود للعصر الروماني حملت عناصر زخرفية متنوعة تشمل جميع نواحي الحياة وهي ذات مصادر متنوعة من قبرص وشمال إفريقيا واليونان وإيطاليا وسرج فخارية تعود للعصر الهلنيستي وهي مصنوعة بالقالب أو الدولاب وذات مصادر مختلفة من جزيرة رودوس وإمسنوس (شمال غرب تركيا) ومن اليونان (دلفي). وعثر أيضاً على دمية لا مرأة عارية الصدر (عشتار)مصنوعة من الطين المشوي وتعود للفترة الفارسية
( الفترة الفينيقية المتأخرة) وعلى مجموعة من الأزرار المصنوعة من الخشب. ومجموعة كبيرة من رؤوس المغازل المصنوعة من حجر السياتيت ومجموعة من القطع المصنوعة من عجينة الزجاج المختلفة الألوان كالأبيض والأخضر والأزرق و البني المحمر وتأخذ زر، وكانت تستخدم لتزيين الملابس علماً أنه للمرة الأولى يتم العثور على مثل هذه القطع في مدافن جبلة. كما تم العثور على بعض اللقى المهمة والمتميزة مثل نقد ذهبي يعود للإسكندر المقدوني وهو من القطع النادرة في العالم بالإضافة إلى بعض النقود الفضية والتي تعود للإسكندر وهي من صك نقود أرواد. وإناء فخاري على شكل حصان وكذلك عثر على مجموعة من الخرزات غالباً كانت تشكل قلادة وبعضها مصنوع من عجينة الزجاج وبعضها الآخر من العقيق الأحمر المائل للبني.

 مكتشفات فريدة

 ضمن مجموعة الخرزات المكتشفة عثر على ختم مسطح من العقيق الأحمر المائل للبني وهذا الختم كما وصفه الباحث مسعود بدوي يأخذ شكلاً مسطحاً من الأسفل ، ومن الأعلى شكلاً محدباً، وسطح هذا الختم مقسم إلى ثلاثة حقول فالحقل الأول عليه إشارة لهلال ونجمة بسبعة أشعة، وهذا الإشارات عرفت على الأختام الأسطوانية منذ بداية الألف الثاني قبل الميلاد في منطقة بلاد الرافدين وفي سورية. والحقل الثاني منقوش عليه كلمة بالخط المؤابي ( والتي تخص الإله كاموش) وكاموش هو الإله الرئيسي لبلاد مؤاب وهي حالياً منطقة عمان في الأردن وأما الحقل الثالث فهو مكسور في أسفله ولكن يوجد إشارة بسيطة عليه ربما تكون جزءاً من حرف أو رسمة ويؤرخ هذا الختم القرن الثامن قبل الميلاد وبداية القرن السابع قبل الميلاد أي عمره 2700 سنة، علماً أنه عثر على ما يشابهه في مدافن أم أذينة في الأردن، ويعتبر هذا الختم الأول من نوعه كنمط كتابي (مؤابي)يتم الكشف عنه في سورية ومن الجدير بالملاحظة أنه تم العثور على هذا الختم ضمن قبر فردي يعود لنهاية القرن الرابع قبل الميلاد أي بداية العصر الهلينستي.