الجراحة التجميلية .. ضاع الأصل وتبدلت الملامح

العدد: 
8897
التاريخ: 
الاثنين, 19 حزيران, 2017
الكاتب: 
رنا عمران

شهدت عمليات التجميل منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي ازدهاراً لا سابق له نتج عنه نجاح 90% من عمليات تجميل الأنف والشفاه والعنق والصدر والأرداف مروراً بعمليات الشد التي يمكن أن تتكرر أكثر من مرة وتعيد العجوز إلى صباها وفق شروط أو نظام جمالي واحد حدد الاختصاصيون والجراحون مقاييسه ومعالمه وألوانه , فتحول عدد كبير من البنات إلى ما يشبه ( الفوتوكوبي ) لإحدى الممثلات أو المطربات المشهورات , فضاع الأصل وتبدلت الملامح وتحول الجسد إلى قطعة من المعجون القابل للتشكل وفق المعايير المطلوبة , لا سيما بعد أن أصبحت تقنيات الجراحة التجميلية الحديثة متوفرة أكثر من ذي قبل نتيجة انخفاض الأسعار . فما بدأ في هوليوود وباريس انتقل ليكتسح الشرق والغرب , ووصل سيولاً إلى عالمنا العربي حتى تغيرت مفاهيمنا عن الجمال الشرقي من الجسم الممتلئ والفم الصغير والعيون الواسعة , إلى الجسم الهزيل والفم الكبير المنفوخ والعيون المستديرة الغائرة . مفاهيم غريبة ساهمت الفضائيات في ترسيخها وتسويقها .‏

بين مؤيد ومعارض‏
شباب وشابات تحدثوا عن عمليات التجميل , ومدى قبولها من وجهة نظرهم .‏
لمى حسن ترى أن مساهمة التقدم العلمي في وضع الجمال بين يدي المرأة أمر رائع , ولا تنكر إعجابها وتشجيعها لأي إنسان يحسن مظهره , وتستغرب في الوقت ذاته اعتراض البعض على عمليات التجميل بل محاربتها أحياناً , متسائلة : ما العيب في تحسين القوام أو تصحيح عيب غير محبب ولا يتوافق مع مقاييس الجمال العالمية ؟ كل من يخضع للعمليات التجميلية بغرض تجميل تشوه خلقي أو تشوه ناتج عن حادث أو بغرض إضفاء الجمال والشباب على الشكل الخارجي .‏
بينما تشعر ثراء أحمد بالأسى حيال البنات اللواتي يرغبن في تغيير أشكالهن , وترى في ذلك مؤشراً على فقدان الثقة بالنفس وجحود على الخلقة الربانية , وتعلل انتشار عمليات التجميل بين صفوف الشباب بمحاولة التقليد الأعمى للآخرين , لا سيما نجوم السينما والمطربين , وأوضحت قائلة : الجمال هو جمال الروح والأخلاق , وشخصية الإنسان هي التي تحدد مقدار أو درجة النفور منه , محذرة الشباب من مغبة الدخول في دوامة الجراحات التجميلية , حيث لقي المئات حتفهم في السنوات القليلة الماضية بسبب إخفاق العمليات ومضاعفاتها.‏
علا ماضي تساءلت : ما الذي يمكن أن يحدث لو أصبح الناس متشابهين في جمالهم الزائف , وماذا لو تشابهت الخدود والشفاه والأجساد ؟! وتعتبر عمليات التجميل نوعاً من الزيف والخداع إلا التي يكون مردها تشوهاً خلقياً أو عيباً يستوجب التصحيح .‏
ربا عليولا تستغرب إقبال الذكور على العمليات التجميلية , مؤكدة أن ذلك نتيجة طبيعية لتفشي السطحية وعقم التفكير وانحداره . منددة بحالة تغريب الفكر التي يمر بها الشباب العربي .‏
بتول متوج تعتقد أن من يمتلك المال والإمكانات عليه أن يجمّل شكله ويجعل من نفسه صورة شبه متكاملة , خاصة أن الطب ذلل كل الصعاب وبات بإمكان الإنسان تغيير شكله بالكامل , معللة وجهة نظرها هذه بأن مجتمعنا لا ينظر إلا إلى الشكل الخارجي , فالفتاة الجميلة هي صاحبة الحظ الوافر ومحط الاهتمام , أما راجحة العقل فلا ينفعها شيء .. بل تبقى مهملة من قبل المجتمع المحيط , مضيفة أن الجمال سمة رائعة , فإذا وجدت إمكانية امتلاكها ما المانع؟!‏
أحمد عثمان يرى أن سبب إقدام الشباب على عمليات التجميل هو لفت النظر , فالفتاة تريد أن تكون محط إعجاب الشباب وكذلك الشاب أصبح مبتغاه أن يلفت انتباه أكبر عدد من الفتيات .‏
أما هبة فرفضت فكرة الإقدام على عمليات التجميل معتبرة ذلك ( تغييراً في خلق الله ) , وهي مقتنعة بأهمية الشخصية التي تضفي على الفرد أيا كان سحراً ورونقاً حسب ثقافته وسعة اطلاعه وتحليه بالإنسانية الطيبة , لا بمقدار وسامته وجاذبيته , وتضع اللوم على الفضائيات التي أسهمت بشكل أساسي في بث سمومها من خلال الإعلانات والكليبات التي عززت قيمة الشكل والقشور الخارجية على المضمون , وتعتبر أن إقبال الشباب على عمليات التجميل بداية النهاية والانحدار , لأن الشاب الذي يهتم بمظهره وجمال شكله أكثر من شخصيته , لن يتمتع بالرجولة التي يفخر بها الرجل .‏
واقع و الأبحاث
هناك إقبال كبير على عمليات التجميل في المحافظة , خصوصاً في مواسم معينة , وأكثر العمليات تواتراً تجميل الأنف ثم شد البطن ( شفط الشحوم ) وتكبير الصدر أو تصغيره وشد الأجفان , ويأتي شد الوجه بالدرجة الثالثة , والحقن بالمواد المالئة للخدود والشفاه بمواد صناعية كالبوتوكس لإزالة التجاعيد ما يحتاج إلى تكرار كل أربعة إلى ستة أشهر أو بمواد طبيعية كالشحم .‏
عملية التجميل مثل أي عملية جراحية أخرى قد تسبب النزف أو التهاب الجرح لكن بنسبة أقل كثيرا من باقي العمليات , لأننا نتعامل فقط مع الجلد وخطر الإنتان يكون بسيطاً جداً إذ لا يتم فتح أجواف ( بطن , جهاز تناسلي .. )‏
المحافظة على الشباب والجمال الدائمين حلما كان وما زال يراود النساء جميعاً , فقد سعت المرأة دائماً إلى الاهتمام بجمال بشرتها ونضارتها , واليوم مع تقدم العلم والتكنولوجيا ومع انتشار عمليات التجميل بشكل واضح أصبح بالإمكان تحقيق الحلم وكثرت عيادات التجميل ومراكزه , وبات الكل يسعى نحو الكمال , الأمر الذي جعل عمليات التجميل هاجساً عند كثيرات حتى اللواتي لسن بحاجة إليها .‏
عند زائر العيادة التجميلية مشكلتين أساسيتين تتمثل الأولى بوجود عيب ظاهر في الشكل مثل عيب في الأنف أو وجود عيب خلقي أو وحمة .‏
المشكلة الثانية قد تكون غير ظاهرة , وإنما باطنة في الدماغ وتسبب معاناة داخلية ونفسية لصاحبها بسبب وجود هذا العيب , ما يؤدي إلى الشعور بالخجل الاجتماعي وضعف الشخصية والرغبة في الانزواء والابتعاد عن الناس ومحاولة تغطية هذا العيب بشتى الطرق , وفي هذه الحالة تكون عملية التجميل ضرورة وليست ترفاً لأن وجود العيب سوف يسبب أزمة , فالوجه مرآة الجسم ومصدر تعبير عن الفرح والسعادة .‏
هناك نقطة هامة يجب الانتباه إليها وهي وجود عديد من الأطباء الدخلاء على مهنة جراحة التجميل , وذلك بسبب مردودها المادي الجيد, وهناك عديد من الحالات التي يتم فيها إجراء عمليات تجميل من قبل أطباء أسنان أو نسائية وبالتالي على المريض التأكد من اختصاص الطبيب الذي يزوره , وقد ظهرت في الأعوام الأخيرة أعداد كبيرة من الأشخاص الذين لا يملكون أي شهادة اختصاص في جراحة التجميل , وهناك عيادات غير متخصصة وتعمل في التجميل , إضافة إلى وجود عديد من الإعلانات المنتشرة في الصحف الإعلانية مثل شد الوجه دون مشفى أو هذه جميعها تهدف إلى خداع المريض واستدراجه وجلبه إلى العيادة بأية طريقة .‏
أخيراً
 ربما يلعب الإعلام الدور الأكبر والأهم في تسويق الجمال بمفاهيم محددة , فالفضائيات تذخر بالبرامج التي تظهر النحول الكبير والتطور الذي وصلت إليه الجراحة التجميلية وصورة قبل وبعد تفتح كثير من الآمال والأحلام لدى العديد من الشباب , ربما يكون التجميل سلاحاً للوقوف في وجه الزمن والتقدم في السن , لكنه للأسف حتى الآن مازال سلاحاً مؤقتاً تتلاشى قوته بالتدريج ويبقى الزمن هو الأقوى والأكبرأثراً والأعمق رسوخاً .‏
 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة