إطلاق الرصاص والسنوات العجاف

العدد: 
8885
التاريخ: 
الخميس, 1 حزيران, 2017
الكاتب: 
سعاد سليمان

إطلاق الرصاص موضة العصر في الحي الذي أسكن. . بل في المدينة كلها

الرمل الجنوبي، حي الفقراء بطرطوس، الحي الذي تكثر في سمائه الطيور, وعلى أرضه تتمشى وفوق أكياس القمامة وبقايا النفايات تحط.. في كل الزوايا وفي كل ساعات النهار والليل..

إطلاق الرصاص عادة تعودها أهل الحي في السنوات العجاف هذه.. حتى الصغار يمارسونها برشاشاتهم اليدوية.. يوجهون أصابعهم بنادق في وجوه بعضهم ويصرخون: طا طا طا.. وهم يجتمعون عند جدار تغطيه صور لشهداء الحي..

هنا.. شاب أحب فتاة لكنها لم تحبه.. تقول شائعة: أنه يتعاطى – هو مدمن – وأنه حين يتعاطى لا يستطيع كبح جماح حبه, يتوجه إلى دار ليلاه أو عبلاه وبدل أن يقول الشعر يطلق الرصاص..

حتى اليوم لم يصب أحداً من أهل الحبيبة التي فرت من الحي كله.. إلا زجاج نافذة وخربشة في جدار!!

وهنا.. وبالأمس قتل أحدهم رجلاً لأنه لا يريده في الحي، ولم يستطع فرض إرادته.. قتله لينفذ ما أراد!!

هكذا انتشر الخبر بعد سماع إطلاق الرصاص وقدوم سيارة الاسعاف ثم إذاعة خبر الوفاة، بعد ذلك  قالوا وبصوت خافت: قد يكون من المتعاطين!!

منذ أيام كانت ذكرى استشهاد شاب في تفجير الكراج السنة الماضية.. يومها صرخ أب الشهيد يمنع الشباب في الحي من إطلاق الرصاص..  فانسحب الشباب المسلح بعد أن أبدوا غضبهم.. شامتين .!!

واليوم.. وفي نفس المكان اجتمع أهل الحي ينظفون الشارع الهرم بسيل من مياه شكلت بركاً ريثما جففتها رياح البحر الغربية.. أبعدوا القمامة المتناثرة هنا وهناك لتصبح تلاً عند رأس الشارع المطل على البحر الأزرق الجميل, وأقاموا شادر العزاء.. تعاونوا جماعة ووحداناً في إشادة الخيام وتنظيم ما يلزم.. وعند وصول أصدقاء الشهيد ورفاقه امتلأت السماء بالغضب وتناثرت الرصاصات الفارغة كحبات المطر، لكن الأطفال استطاعوا التقاطها من بين الأرجل الغاضبة وجمعها للعب فيها في مكان آخر إلا طفلاً .. كان البطل بينهم حين سمح له عمه القادم للتو من ساحة المعركة أن يحمل الرشاش ويطلق.. رأيته يعانق السلاح وكأنه يعانق أمه بعد طول غياب...

تضحك صبية ضحكة قوية في شارع الحزن حين تسمع امرأة تعارض إطلاق الرصاص الكثيف من بيت فلان هنا في الحي .. الذين ابتهجوا وفرحوا بعودة ولدهم المحارب بعد طول غياب وهي تقول بحزن: هذه الرصاصات التي أطلقت تحرر قرية بل مدينة..

ترى الصبية أن الوضع جميل وهو يصنع الأكشن – حسب قولها – وأن من تخاف من النساء عليها التزام بيتها.. هكذا قالت موجهة كلامها للعجوز: أنت ما الذي يهمك.. اجلسي في بيتك فلن يدخلوه ويرموا رصاصهم عندك !!!

هنا حي الرمل الفقير، الغني بالسلاح وبصور الشهداء والشوادر تغلق الشوارع لأيام ثم تُرفع وكأن شيئاً لم يكن إلا نعوة لشهيد وصورة متروكة فوق جدار ترسم المشهد بإتقان، وتقول: كان هنا...