بـحــر الأبجــدية ... درس انطونيو سكارميتا

العدد: 
8875
التاريخ: 
الخميس, 18 أيار, 2017
الكاتب: 
أيمن إبراهيم معروف

 -1-

  في روايةٍ للكاتب التشيلي (انطونيو سكارميتا) يتركُ ماريو الصّيّاد الشّاب مهنةَ الصّيدِ ليصيرَ ساعي بريد في مدينةِ (ايسلانيغرا) حيث يُقيمُ الشّاعر (بابلو نيرودا) الشّخص الوحيد الّذي يرسلُ ويتلقّى الرسائلَ في هذه المدينة. كانَ يحلمُ (ماريو) أنْ يصيرَ شاعراً. ويحدثُ في الرّوايةِ أنْ يُفاجئَ ساعي البريد الشّاعرَ نيرودا بحلمِهِ الّذي تأهّبَ له طويلاً وتركَ لأجلِهِ مهنةَ الصّيد. ودارَ بينهما الحديثُ التّالي،:

(ماريو: أريدُ أنْ أصيرَ شاعراً.

نيرودا: يا رجل. الجميعُ في تشيلي شعراء. أنْ تكونَ ساعي بريد هو أكثر أصالةً.

ماريو: لو كنتُ شاعراً لاستطعتُ قولَ كلِّ ما أريدُه.

نيرودا: وما الّذي تُريدُ قولَهُ؟.

ماريو: هذه هي المشكلة. فأنا لا أستطيعُ قولَ ذلكَ لأنّي لستُ شاعراً.).

  وظلّ ماريو ساعي البريد يلحُّ على الشّاعر بابلو نيرودا بأسئلتِهِ عنِ الشِّعْر بينما الشّاعرُ يقتضِبُ ويكتفي بالقول،: (الشِّعْرُ ليس سوى مجازات). وكانَ هذا هو الدّرسُ الأوّلُ الّذي تعلّمهُ ساعي البريد من الشّاعر نيرودا. ومنْ حينِها راح (ماريو) يستعملُ المجازاتِ مُحتَفِياً بهذهِ اللَّقِيَّةِ الّتي طالما حلمَ بها طويلاً يُلْقي بها على مسامعِ بياتريس غونزاليس أوّلِ حبٍّ له. قائلاً لغونزاليس مرّةً،: (إنَّ ابتسامتَكِ، ياحبيبتي، تطيرُ عالياً مثل فراشةٍ). ومرّةً،: (يلزمُني، ياحبيبتي، وقتٌ طويلٌ لأحتفيَ بشعرِك.).

  وبهذه المجازاتِ – المفازات صارَ ماريو ساعي بريد ايسلانيغرا،: شاعراً.

-2-

  يُعلّمُنا انطونيو سكارميتا في روايتِهِ (ساعي بريد نيرودا)،: أنَّ الشِّعْرَ هو ما أنتَ فيه. إنّهُ لنْ يُعطيَكَ نفسَهُ إلاّ إذا تركتَ كلَّ شيءٍ منْ أجلِهِ وعشتَ وأخلصتَ لهُ وأعطيتَهُ نفسَكَ كاملةً. إنّه منْ طبيعةٍ مختلفةٍ وصعبةٍ. جميلٌ هو كمجازٍ أنيقٍ ورقيقٌ هو مثل حبَّةِ الضّوءِ ومُحاطٌ بأسرارِ الكواكب. وإذا كانَ الرّوائي قد اقترحَ في مَتْنِ الرّوايةِ على لسانِ شاعر تشيلي (بابلو نيرودا): أنَّ الشّعْرَ ليس سوى مجازاتٍ، فلأنّهُ يُدركُ أنَّ المجازَ ضرورةٌ شِعْريّةٌ وطبيعةٌ ثانيةٌ في الكلام. إنّه، عالَمٌ منَ التَّلاقِياتِ المُدهِشَةِ والمُلامَساتِ الشّفّافةِ بينَ شرفتَيْنِ: شرفةٌ يتضوّعُ عنْ جنباتِها الشِّعْرُ وشرفةٌ تُؤدّي إليه.

-3-

  إنّهُ الشِّعْرُ،: هو ما أنتَ فيه، إذَنْ. وليس في مكانٍ آخر. هذا هو درسُ انطونيو سكارميتا. وعلى سبيلِ المُقارَبَةِ مع هذا الكلامِ أسردُ حكايةً صغيرةً كتبتْها طفلةٌ روسيّةٌ في التّاسعةِ منْ عمرِها أترجمُها في هذه الزّاويةِ مستعملاً مجازاتِها وإسقاطاتِها في قُبالَةِ ما يُريدُ أنْ يضعَنا فيهِ (انطونيو سكارميتا) منْ رائعتِهِ الرّوائيّةِ وحواريّتِهِ المتخيّلَةِ والممتعةِ بينَ (ماريو) الصّيّاد وساعي البريد لاحقاً وبين (بابلو نيرودا) شاعر تشيلي عنْ ماهيّةِ الشِّعْرِ وطبيعتِه. تقولُ الحكايةُ،:

  (قالتْ سمكةُ البحرِ الصّغيرةُ،: المعذرةُ. أنتِ أكبرُ منّي وأكثرُ خبرةً. فهلاّ قلتِ لي أينَ أجدُ ذلكَ الشّيءَ الّذي يسمّونَهُ: (البحر)؟!.

  ردّتْ السّمكةُ الكبيرةُ،: البحرُ هو ما أنتِ فيه الآن.

  إيه!!. هذا!!. هذا ليس إلاّ ماء. ما أريدُ هو البحر. قالتِ السّمكةُ الصّغيرةُ وهْيَ تسبحُ مبتعدةً وتُبحرُ تفتّشُ عنِ البحرِ في مكانٍ آخر.).

 

 

 

 

 

 

 

 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة