بـحــر الأبجــدية ... إبادةُ الأرمن

العدد: 
8861
التاريخ: 
الاثنين, 24 نيسان, 2017
الكاتب: 
م. علي الشيخ

في نيسان من كلّ عام يحتفل أحفاد القدّيس (ميسروب ماشدوتس) بذكرى الفاجعة الكبرى. حيث يستذكر الأرمن، ومن ورائهم كلّ الأحرار في العالم هذا الحدث بمزيد من الألم والحزن والحسرة.
في 24 نيسان عام 1915 قامت حكومة الاتّحاد و التّرقّي -الوريث الشّرعيّ للسّلطنة العثمانيّة- ببدء الإبادة الجماعيّة النّموذجيّة للأرمن على أراضي أرمينيا الغربيّة وآسيا الوسطى، حيث تمّ القبض على صفوة رجال الأرمن و تصفيتهم و تهجير الشّعب الأرمنيّ بأكمله ومصادرة أمواله و أملاكه.
كان إجراماً و قتلاً ممنهجاً بلا رحمة حتّى بالأطفال الرّضّع. اغتُصبت النّساء بوحشيّة أمام الآباء والأمّهات و الأبناء، و بُقرت بطونهنّ بحجّة البحث عن الذّهب المخبّأ، وما خفي كان أعظم. كانت طرق قوافل المهجّرين عبر الجبال و الوديان و الصّحارى مليئة بالجثث و الهياكل العظميّة. قوافل من الأبرياء ينهشهم الجوع و المرض و الخوف. تَخَطَّفَ الموت أغلبهم. لقد ذكرت بعض المصادر أنّ عدد الأرمن على أرض السّلطنة العثمانيّة كان يربو  على 2.5 مليون نسمة. قتل منهم حوالي 1.5 مليون شخص في هذه الكارثة، و الباقي من النّاجين لجأ إلى القوقاز و العراق و سورية و لبنان و مصر.
أفرز مؤتمر (سالونيك) لحزب الاتّحاد و التّرقّي عام 1910 قراراً بحظر الأحزاب السّياسيّة غير التّركيّة، و العزم على التّخلّص من القوميّات غير التّركيّة، فكانت الخطوة الأولى في اتّجاه المجزرة الكبرى. أجل هذا ما قامت به العنصريّة الطّورانيّة بشوفينيّة دنيئة، لأنّها أرادتها أرضاً لهم وحدهم، الأتراك فقط، دون غيرهم. هذا هو فكر و ديدن تلك القبائل الهمجيّة التي طرأت على هذه الجغرافيا من أواسط آسيا. اغتصبت و قتلت و هجّرت الشّعوبَ بوحشيّة غير مسبوقة، كما لو كانت لعنة (زيوس)، فحوّلتها إلى واقع مرير من العبيد و القيان والجواري   و الشّهداء و جموع هائلة من الثّكالى و اليتامى. فمذابح الآشوريّين و العرب واليونانيّين و الصّرب شاهدة على بربريّتهم. و مازال هؤلاء السّلاجقة حتّى اليوم جسماً غريباً في المنطقة يناصبون جميع من حولهم العداء. و لعلّ اغتيال الصّحفيّ (هرانك دينك) -من أبرز الأرمن الأتراك- منذ بضع سنوات، يثبت بما لا يرقى له الشّكّ أنّ آلة الإجرام السّلجوقيّة لم و لن تتوقّف، و ذهنيّة الإرهاب و الوحشيّة ما هي إلا عنوان قوميّة حملت جيناتها الفكريّة قبل الفيزيولوجيّة تعاليم الشّيطان و ثقافة الإرهاب.
(بعد كلّ ما حدث، من يذكر اليوم الإبادة الأرمنيّة؟!) هذا ما قاله هتلر لجنوده قبيل الهجوم على بولندا عام 1939. يحثّهم على الارتكاب و الإجرام بلا رحمة أو خوف، لأنّ الأتراك قد نجوا بفعلتهم فيما سبق، على حدّ زعمه.
عذراً أيّها (الفوهرر)، لن ننسى مادام جبل (آرارات) شامخاً.. باسم الإنسانيّة و قدسيّة الرّوح البشريّة لن ننسى، فللتّاريخ وجدان يحاكم الأمم، يوصِّفُ، يفرز و يحاكم بلا شفقة أو مواربة.
مع بدء القرن الثّاني من عمر هذه المجزرة لا زالت هناك بلدان كثيرة لم تعترف بعد بهذه الجريمة الاستثنائيّة بوحشيّتها، لتبقى وصمة عار على جبين البشريّة. ولكنّ الحقّ آتٍ لا محالة، فعدالة و منطق الزّمن كما حتميّة التّاريخ لن تُسقط هذا القدر، و ستناضل الأجيال حتّى يتمّ الاقتصاص و معاقبة هؤلاء الشّياطين المجرمين، فترتاح أرواح الشّهداء و يُرَدُّ الاعتبار الأخلاقيّ قبل كلّ شيء لأمّة تعرّضت لأبشع و أقسى محاولة إفناء منظّم و مدبّر. أرادوا صلبها، لكنّهم لم يدركوا أنّ هناك قيامة مجيدة بعد الصّلب.

 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة