بين الشط والجبل ... تاريخ الولادة

العدد: 
8859
التاريخ: 
الخميس, 20 نيسان, 2017
الكاتب: 
سيف الدين راعي

مصحوباً بزقزقته عادني مع الفجر عصفور « أبي الحنِّ» حطَّ على ياسمينةٍ معربشةٍ على نافذتي، وراح يموسق ألحانه. كانت عيناي مثقلتين بالنعاس. لكنَّ أغانيه كانت تقرع باب صدري، وتذيب عن العينين نعاسهما شيئاً فشيئاً.

*****

تململ شذا الياسمينة قلقاً

- من ذا الذي يرسل حزنه على بوّابة الفجر؟

-من ذا الذي يبعثر وحشة قلبه على طرقات منفيةٍ؟ إنيّ لأكاد أشرق بظنوني..

*****

 تابع «أبو الحن» غناءهُ وتابعت ترتيب أمنياتي. رنوتُ إلى القمر من فرجة نافذتي فرأيته يتململ في معراجه.. فاستحضرتُ صلاة « طاغور» والتي يقول فيها « يا رب.. هب لي القوة لأتحمل في يُسرٍ وهنية آلامي وأحزاني» واعترتني طمأنينةُ لم أعهدها من قبل وأحسستُ بعقلي وقد بدأ يغسل ظنونه، وراح يتبدَّد كالعطر، واستيقظ فيَّ حنينٌ كنتُ قد شلحتهُ على معابر العمر..

*****

دفنت خطاي في فيافـي الذهول، ورأيت ظلكِ يمشي ما مشيتُ . محاولاً أن يستلَّ من دمعتي بسمة تلهو على شفة الريحان، وتزرع التلال ربيعاً مخضوضراً كاخضرار عينيكِ.

 وحين  اوقفني الحبُّ في منعطف الحيرة، وعبرتني سحبٌ تتلاعب بها الريح أفلتِ بسمتي وتكوَّر الحزنُ بأجفاني وغابت حشرجة الناي في مسمعي أدركت ساعتها أن ما أحتاجه هو عودة الوعي» والوعي كما عرفوه هو: « ثنائي القطبية، احدهما يتجه إلى الخارج والآخر ينفذ إلى الداخل».

 فأحسستُ بانقباض في نفسي وتوترٍ في تفكيري  وأدركت أن التوتر يعني أني لستُ مسروراً بالذي أنا فيه فقررتُ العودة إلى طاغور وصلاته التي يقول فيها: يا رب هبْ لي القوة لأرقى بفكري بعيداً عن السفاسف اليومية» ثم استحضرت كلاماً للشاعر البلغاري لوبومير لنيفينيتش» يقول فيه:

«لاتتهموا الشمس إن كانت تنشر الدفء حتى على الأفاعي»

*****

أمسكت بأطراف الذاكرة باحثاً عن حزمة ضوء فبهتت مخيلتي وأحسستُ  أن جزءاً من قلبي قد طمر هناك في» سفح الجرينات» وجزءاً آخر قد ولد على حوافي « جب الفوار» ثم أطلقت بصري باتجاه مقبرة الشّهداء حيث كانت قبورهم تصطفَّ كما الخيل في ميدانها. فاشتعلت القصيدة في فمي وقلت: - من هنا مروُّا..

 بأيديهم شهاداتُ الولادةْ

 عُمرهم يتبدئ الساعة

 كلَّ السنواتِ انقرضتْ

 فليكتبْ التاريخُ تاريخَ الولادة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة