الحاســة المهمشــة

العدد: 
8858
التاريخ: 
الأربعاء, 19 نيسان, 2017
الكاتب: 
نعمان ابراهيم حميشة

لا تخلو الحياة من المؤثرات المتنوعة للرائحة، فلكل شيء رائحته الخاصة به، والجسم البشري يغرز رائحة مميزة هي اشبه ببطاقة هوية أو سجل ذاتي للتعريف بصاحبه منذ اللحظات الأولى لولادته، وللطفل رائحة خاصة ، وللتراب بعد المطر رائحته، والطفل يتعرف على أمه منذ ولادته عبر الرائحة والعطر الطبيعي الذي يفرزه جسدها ويمكن لقميص الأم إذا ترك قريباً من انفه أن يهدأه ويستمر في النوم حتى لو ابتعدت والدته عنه الروائح والعطور معروفة منذ القديم  وقد جاءت من ممارسة الطقوس الدينية وفروض العبادة كروائح البخور والصندل والريحان والغار وبعض النباتات العطرية ، وترتبط الاماكن والأحداث بروائح  محددة في ذاكرة زوارها وعند تداعي الذكريات في الخواطر تذكر حلب التي تفوح منها روائح الزعتر والتوابل وصابون الغار، ودمشق  التي تنبعث منها روائح النارنج والياسمين والبخور والعز والفخار التي تعطر قبور الشهداء، اما أسوأ أنواع  الروائح رائحة النفوس المريضة والقلوب المدججة بالحق والحسد والعقول الملوثة المتخمة بالتطرف والتكفير والجهل والارهاب.عند انسياب كيمياء الرائحة في الأنف تتداعى الأحداث والذكريات والأشخاص المقترنة بهذه الرائحة ومن طقوس الكتابة لدى بعض الكتاب وخاصة غابرييل غارسيا ماركيز الذي  كان يضع على طاولته زهوراً صفراء بشكل دائم لتحضير المكان واستخدام حلية جمالية للغوص في الروائح واستدعاء الإلهام والسفر عبرها إلى عوالم أخرى ، فالرائحة الزكية تأشيرة عبور إلى عمق الاحاسيس والمشاعر وتلعب دوراً فعالاً في تفعيل الحواس والعواطف وتعزيز العلاقة الحميمية بين  الشريكتين، ويمكن للإنسان أن ينجذب نحو شريك حياته عن طريق الانف وحاسة الشم والتعرف إليه من بين آلاف الاشخاص بمجرد استنشاق رائحته... فأي سر للروائح الطيبة الفواحة النافذة إلى مسامات الأنف الصاعدة إلى دهاليز الدماغ النازلة إلى ممرات الفؤاد ومنه إلى سائر الأعضاء...؟!
 عرق الإنسان بدون رائحة ، لكن من النادر أن ينجو الإنسان من علل مزعجة غير ضارة ترافقه يومياً ومنها رائحة الجسم وترتبط الروائح بعادات وتقاليد الشعوب واختلاف التاريخ والمكان والعرق، وقد اهتم  الفراعنة بالعطور والأبخرة وهم أول من استخدم اللبان لتعطير الفم ، ويتميز الكوريون بعدم وجود رائحة لتعرق أجسادهم أما قبائل الاسكيمو فيهتمون بالرائحة خصوصاً رائحة الفم والشعر والجسد ويحرصون على وضع الزيوت العطرية بالشعر التي تضاهي الرائحة المعلبة في زجاجات العطر الفاخر، ومضغ بعض النباتات التي تطيب رائحة الفم، لكن قبيلة السورما الاثيوبية فيمتلك أصحابها رائحة كريهة جداً بسبب ما يقومون به من فرك أجسادهم بمواد طبيعية ذات رائحة مميزة من الأغصان والأزهار الصحراوية والحشرات الميتة وذيول الحيوانات الميتة مشابهة لروائح التعرق الممزوجة برائحة جلود الحيوانات لتحميهم من الطفيليات ولدغات الحشرات المؤذية.

 

الفئة: 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة