وجهات نظر مختلفة ... المظاهر عند الشباب بين الضرورة الاجتماعية و العقد النفسية

العدد: 
8840
التاريخ: 
الاثنين, 20 آذار, 2017
الكاتب: 
رنا عمران

إلى أي حد نورط أنفسنا ونحن نسعى وراء المظاهر أو الـ»برستيج»، الذي يبدو كأنه بات جزءاً أساسياً ومحورياً في حياة كثير منا؟ وهل يجوز أن يغلب حب المظاهر على شخصيتنا، بدلاً من الاهتمام بالأمور الجوهرية؟ من الذي يجب أن نحمله المسؤولية في مسألة الـ»برستيج» والتورط فيه؟ هل نحملها للمجتمع الذي يصنف الناس على أساس مظهرهم، أم للعقد النفسية التي نحملها، والتي تدفعنا إلى التمسك بحبال الـ»برستيج» لمجرد أن نقول: «نحن هنا»؟ شهادات تسلط الضوء في هذا التحقيق.‏

على الرغم مما سببه لها من مشكلات مادية قادتها إلى مشاكل مع زوجها لا تخفي سهى الشابة المتزوجة حديثاً هوسها بالـ»برستيج», فتقول: «أعترف أنني ضعيفة أمام المظاهر، التي أعتبرها مفتاح خروجي من العالم الضيق ومن الحياة العادية التي أعيشها». لذلك أحاول أن أشتري الملابس والعطور و الأحذية. تتابع: «عايشت الطبقة المخملية في المجتمع حتى أنني أتبارى معها في مسألة المظاهر التي تكلفني كثير فالـ»برستيج» على حد قولها «إدمان وأسلوب حياة نتورط فيه مع مرور الأيام». لذلك، هي لا تعرف الشفاء منه حتى لو أرادت، فمن المستحيل أن تنسحب من حياة العز مع صاحباتها بحجة ضيق الحال.‏
الـ»برستيج» في حياة أمجد (محامٍ) «يشبه ربطة العنق»، التي لا يخرج من دونها، بحسب ما يقول، فعلاقته بالماركات والمظهر العام، علاقة خاصة بدأت منذ أن وقع عقد عمله في شركة لها سمعتها في المجتمع . يتحدث أمجد عن هذه العلاقة فيقول: «لطالما كنت أحلم بـ(برستيج) يمنحني وضعاً اجتماعياً يتناسب مع درجتي العلمية في الجامعة، إلى أن قدر لي أن أعمل في شركة عوضتني عن كل الحرمان الذي عشته». مشيراً إلى أن حبه للـ»برستيج» لم يقف عند حبه لمظهره الخارجي، بل تعداه إلى خياراته الشخصية، كمسألة زواجه التي دخل الـ»برستيج» في حساباتها، فكان أن تزوج ابنة أحد موكليه الأثرياء، محققاً بذلك «أرقى شكل» من أشكال الـ»برستيج» من وجهة نظره.‏
لماذا يحتل الـ»برستيج» مساحة لا يستهان بها في حياتنا؟ وإلى أي حد قد نورط أنفسنا في سبيل الحفاظ على مظهرنا الاجتماعي؟ تصف رنيم (موظفة مبيعات) الـ»برستيج» بأنه «بمثابة العبء النفسي الذي يحملنا فوق طاقتنا». مؤكدة أن الناس الذين يهتمون بمظهرهم الاجتماعي ليسوا فقط أصحاب الثروات، ما يجعل صاحب الدخل المحدود متورطاً في مشكلة الحفاظ على «برستيجه» حتى لا يشعر بالدونية. الـ»برستيج»، الذي تعتبره رنيم «مشكلة عصرية»، يدفع الكثير من الناس، حسب رأيها، «إلى الاستدانة من البنوك ليدفعوا ثمن المظهر الذي ينشدونه، فيورطون أنفسهم في مشكلات مادية، ويتحملون فوق طاقتهم للحفاظ على صورة جميلة في عيون الناس».مشيرة إلى أن مسايرة المجتمع هي الغاية من الحفاظ على الـ»برستيج»، فالمثل الجديد يقول: «قل لي ماذا تلبس أقل لك من أنت».
وفي سياق الحديث عن الصورة الاجتماعية، تؤكد أنها من الحريصات على الظهور بـ»برستيج» معين، حتى لو كلفها ذلك اللجوء إلى بعض الحيل، معترفة بأنها تعمد إلى شراء المنتجات غير الأصلية لتنال بعضاً من مظاهر الـ»برستيج» الرفيعة.وذلك بسبب إيمانها بأن «المظهر الاجتماعي المميز يمنح صاحبه جواز سفر بين الناس»، بحسب ما تقول، لافتة إلى أن «معايير التقييم أصبحت مرتبطة بالمظاهر، ولهذا يلقى صاحب المظهر البراق كل ترحيب في المجتمع الذي يدخله حتى لو كان عقله فارغاً».
 رنيم، التي تنتقد المجتمع على تصنيفه الشكلي، تؤكد أن «إحساس الإنسان بالنبذ الاجتماعي، يقف وراء اضطراره إلى تغيير جلده في بعض الأحيان حتى ينال شهادة الرضا من المحيطين به».‏
من ناحيتها، لا تربط سناء (موظفة) الـ»برستيج» بشريحة معينة من الناس، تقول: لقد تحول المجتمع بأسره إلى ضحية للمظاهر، التي باتت بمثابة مرض العصر»، مشيرة إلى أن «المرء قد يكتفي بأكل الزيت والزعتر ليوفر ثمن بعض الأشياء التي تمنحه مظهراً خاصاً». لافتة إلى أن «التظاهر بالثقافة والمعرفة أصبح شكلاً من أشكال الـ(برستيج) الاجتماعي الذي يميل إليه الفارغون من الناس، فيحفظون أسماء بعض الكتاب والكتب ليرددوها علانية من أجل كسب لقب مثقف».وتختم سناء حديثها بالإشارة إلى أن «اللهاث وراء الـ(برستيج) يدفع بعض الناس إلى الكذب، والتحايل، والتلون، والادعاء، لأن الصورة من دون رتوش أو تجميل، لن تفي بغرض التباهي الاجتماعي المنشود».‏
هل الفتاة أكثر حباً للمظاهر من الشاب ؟ تقول ماريا (جامعية) إن المظاهر «تشكل بالنسبة إلى الفتاة واجهة تطل بها على الناس، في حين يعتمد الشاب على مكانته الاجتماعية أو منصبه الوظيفي في تقديم نفسه، حتى لو كان مظهره متواضعاً».تشير إلى أن «برستيج» الفتاة يتمثل في هندامها وماكياجها ، أما «برستيج» الشاب، فأساسه السلطة التي يتمتع بها، سواء أكانت مادية أم مهنية، وهذا ما يجعل الفتاة تبدو أكثر حرصاً على القشور التي تصنع ما يسمى «برستيج».ماريا التي توفر بعض المال من مصروفها لتستخدمه في الإنفاق على «برستيجها»، تؤكد أنها لم تصل إلى مرحلة الهوس التي وصلت إليها الكثيرات من بنات جيلها. تتابع قائلة إن «برستيج» الفتاة التي تأتي إلى الجامعة بسيارتها، على سبيل المثال، «يمنحها مكانة مميزة بين الطلبة، بعكس الفتاة المتفوقة التي تمشي في الظل إذا كان مظهرها العام لا يتناسب مع مظهر الفتاة العصرية».‏
ويربط عمار الـ»برستيج» بالحالة النفسية مفسراً وجهة نظره بالإشارة إلى أنه «كلما كانت ثقة المرء بنفسه ضعيفة، شدد على مسألة مظهره الخارجي، فالداخل الفارغ يحرض صاحبه على ملء هذا الفراغ حتى لا يفتضح أمره من قبل الناس». يتابع: «أكثر الناس حباً للمظاهر، هم الأقل ثقة بأنفسهم، لهذا يبالغون في اقتناء الأشياء الغالية حتى يخفوا نواقصهم وعيوبهم».‏
إلى ذلك، يبدو أن الشباب ليسوا أقل تعلقاً بالـ»برستيج» من الفتيات، فها هو أحمد (موظف مبيعات)، يؤكد أن «الصورة اللائقة تمنح الشاب أسهماً مرتفعة، سواء في حياته العملية أوالاجتماعية العاطفية، فهي التي تضفي على شخصه ملامح القبول وعلامات الجاذبية، كونه يحمل في مظهره (برستيجاً) مميزاً». وإذ يمضي أحمد في تفسير وجهة نظره، يقول: «لقد أصبحت البدلة الرسمية من شروط القبول الوظيفي في المقابلة الأولى، من ناحيته، يجد خليل أن الغاية من الـ»برستيج» «ليست اجتماعية بل شخصية»، معتبراً أن «إرضاء الذات يحتل المرتبة الأولى في مسألة الـ»برستيج».يتابع: «إن كان لابد من تحويل الـ(برستيج) إلى هوس اجتماعي، فعلينا أن نحدد من المعني بهذا الهوس». لافتاً إلى أن الفتاة «تتفوق على الشاب في تعلقها بالمظاهر التي تحيطها بـ(برستيج) خاص». يستحضر ما تفعله الفتيات المهووسات بالـ»برستيج»، فيقول: «من الصعب أن يتباهى الشاب بملابسه وعرضها على أصحابه من باب الاستعراض والمباهاة كما تفعل أغلبية الفتيات»، لافتاً إلى أن الـ»برستيج» هو لعبة الفتاة في ملعب لا تدخله إلاّ الفتيات . وماذا عن الشباب؟ يجيب ساخراً: «هم الذين يدفعون تكاليف تلك اللعبة.‏
في رأي عماد (طالب جامعي) يضرب الـ»برستيج» عصفورين بحجر واحد، فمن جهة، «ينال صاحبه مكانة مميزة بين الناس، لأن العين تحب كل ما هو مميز. ومن جهة أخرى، يمنح ذلك المظهر الجميل صاحبه إحساساً بالثقة والاختلاف». بحسب ما يقول، لافتاً إلى أن الـ»برستيج» يعني النظافة والترتيب والاعتناء بالمظهر، وتجنب الخروج من البيت من دون تحقيق معايير كمالية معينة «. وإذا كان عماد قد استعرض مزايا الـ»برستيج»، إلاّ أنه يعود لينتقل إلى تعداد سلبياته، فيقول: «يجد المهتم بالـ(برستيج) نفسه متورطاً في لعبة أكبر منه، فالراتب لا يتناسب أحياناً مع ما تتطلبه صورته، والقدرة على التطبع فن لا يحترفه الجميع، لهذا ينقلب السحر على الساحر حين يدق المرء باب الديون والقروض، للحصول على (برستيج) من الصعب تحديد سقف له». ويؤكد أن «هناك ما هو أخطر من الديون»، مشيراً إلى أن الـ»برستيج» يورط الناس في الكذب، فتبدأ الادعاءات التي يلفقها الناس حول أنفسهم. ويشدد على أن الـ»برستيج» ليس حكراً على شريحة اجتماعية معينة، بل هو داء كل من يخجل من واقعه ويتمنى لو كان الصورة المغايرة لحقيقته.‏
 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة