(الحرية في الفكر العربي) محاضرة للباحث حسين عجمية

العدد: 
8828
التاريخ: 
الخميس, 2 آذار, 2017
الكاتب: 
سلمى حلوم

لطالما كانت الحرية بأثوابها المتعددة تشكل الهاجس البشري الأوحد كمطلب رئيسي للروح عبر تاريخها الإنساني، ولها تعددت الوجوه والمنابر وتغير شكل الصراعات في بقاع شتى سواء على الصعيد الفردي أو الصعيد العام، وللأمة العربية حصّة وحظوة في نضالهم كأي أمة سعت وتسعى إلى حياة وبقاء يحترم أدميتها..

(الحرية في الفكر العربي) محاضرة للباحث حسين عجمية وهو الشاعر والكاتب من أعماله الشعرية (بسمات لا تمحى - ذبذبات مضيئة - وجوه متحجرة) ومن أعماله الفكرية (الاندماجية والمسيرة الإنسانية - الاندماجية تداخل البيئة مع الأحياء والعقل - الاندماجية كنوز العقل الإبداعية).

(الحرية في الفكر العربي) ابتدأ هذه المحاضرة عجمية بتعريف الحرية فقال في تعريف عنها: (الحرية هي صيغة متكاملة و متفاعلة في حياة الإنسان تنبثق من فاعليته الفكرية و السلوكية وترتفع خارج إطار الفردية و السكونية، تدفع الواقع نحو الاتساع والتنوع في اختيار المواقف و التعامل معها بفاعلية وبشكل يحقق انتفاع الجميع من اختيارها كواقع يخص على تفعيل الإبداع و السلوك بعيداً عن الأنانية و جميع أشكال الصدام المبنية على تحقيق النفعية ضمن واقع مختلط بجميع الأمزجة و الأهواء الفردية وتعزيز القيم المتساوية البعيدة عن الامتياز ضمن الواقع المعاش).

ويتابع عجمية قائلاً: (وبقدر امتلاك كلمة الحرية من فضاءات واسعة يمكن استخدامها كصيغة واقعية لتبرير التصرف والاتجاه في المواقف المختلفة كحركة المجتمع وبنيته المؤسساتية و مجمل بنيته التحتية والفوقية التي يمكن اعتبارها مصاغة على أساس الحرية، ولمعرفة منشأ الحرية علينا دراسة الذاكرة السلفية وتتبع صيغتها المفاهمية فالحرية هي الحرية منذ الأزل إلى ما لا نهاية لكن مدلول استخدامها تبدل ويمكن أن نؤشر على ذلك تاريخياً).

ويتابع عجمية مستعرضاً المنعطفات التاريخية في التاريخ البشري لأشكال الحرية المتبعة وما تعرضت له فقال في الإطار: (في المجتمعات البدائية كانت حرية الثمار والصيد وحرية التنقل والجنس والإنجاب وغيرها من المواقف التي تتكيف المجتمعات بها وفق حاجاتها وتأمين بقائها فالحرية لم تكن محدودة الأبعاد لأنها ناتجة عن الضرورة و بالتالي كانت الأفعال الناتجة عنها نشطة لأنها تعبر عن الحاجة و البقاء) ثم يقول: (بعد تغيير البنية الاجتماعية للمجتمع وانتقاله إلى عصر السيادة والعبودية تغيرت بنية الحرية و أسسها وأساليب استخدامها و أصبحت من خصائص مجتمع السادة، لقد تمايزت نوعياً كما تمايز المجتمع نوعياً وتفاعلت مع عناصره القومية فجميع الأفكار و الأفعال وقواعد السلوك والأخلاق من خصائص مجتمع السادة أصحاب القرار الذين تمتعوا بحرية مطلقة مع الوجود ومع العبيد).

لينتقل عجمية بعدها إلى دور الشرائع كاسترداد لحق الحرية عبر الديانات التي ظهرت فيتابع قائلاً: وما انبعاث الشرائع وظهورها في عالم البشر سوى صرخة الرفض الموجهة لتقنين السيادة وتماديها في الانحراف عن نواميس الوجود الانساني فهي الرد الأكثر عقلانية لتنظيم العلاقات بين البشر وتفاعلهم مع الوجود فكانت الضوابط الموضوعة غايتها التقليل من أهواء الانحراف الإنساني في أفعاله وأفكاره واتخذت صيغ التحديد والترغيب والترهيب صورة الكوابح الفعلية لهذا الوجود فلم يكن في الإمكان ضبط الظواهر العامة للانحراف و السيطرة على الأفعال و الأفكار الصادرة عن السادة عن طريق المواجهة المباشرة فالتجأت إلى المواجهة غير المباشرة وتحديد منظومة من التعاليم لتنظيم واقع البشر وتحديد علاقاتهم و أسلوب تعاملهم مع الكون وعلى الرغم من طبيعة الشرائع السلمية فقد واجهت مواقف صدامية مع السادة لما تمليه عليهم من قواعد تعاملية تقلص واقع حرياتهم في الحياة ولأنها توجهت بتعاليمها إلى العمومية البشرية وتهافت المحرومين على تقبلها كعقائد روحية وسلوكية لرفع واقع الارتهان والتبعية وحالات الإذلال المختلفة والانخراط في الفاعلية الاجتماعية المحظورة عليهم والتعويض عن واقع الشتاء باعتناقها لمفاهيم الشرائع الروحية والإسهام في عملية التواصل الإنساني .

مفصلاً عن دور الشرائع في الديانات تابع عجمية قائلاً فقد واجهت اليهودية مقاومة عنيفة من الأسياد وأصبحت فيما بعد ديناً للأسياد مما قلل من أهميتها التحريرية الثورية والإنسانية جحافل البؤساء والمحرومين فجوبهت بحرب خفية وعلنية لأن خصائصها التبشيرية أربكت عالم السيادة اليهودية .

لأن خصائصها التبشيرية أربكت عالم السيادة لعرضها صيغ الحب والتسامح والسلام على واقع العمومية الاجتماعية لتظهر بعدها بفترة واقع السيادة عبر المضامين اللاهوتية في واقع انقلاب التاريخ، أما المجتمعات القبلية المرتبطة بواقع التنقل الدائم والمعرفة الشفهية عاشت الحرية بنوعية متباينة ومختلفة عن المجتمعات الحضرية والحرية القبلية نابعة من السيادة العامة للقبيلة فحرية التنقل بحثاً عن الكلأ هي الواقعة الأكثر انتشاراً بين القبائل يتوافق معها حرية الحروب والغزو فجاء الاسلام لإنهاء حالتها واحتوائها ضمن مركزية واحدة موجهة بمبادئ الدين الجديد الذي انتصر نظراً لعدائه المباشر ضد حرية السيادة وحرية العنف والحروب وتوجيه المسلمين وفق المبادئ المنزلة بمضامين نوعية من العبادة والعلاقة بين الإنسان والله.

أما عن تطور مراحل انتشار الاسلام بين مفهوم السيادة والدين استعرض عجمية التاريخ الاسلامي بمراحله المتلفة فقال: «تميّز العصر الأموي والعباسي والعثماني بخصوصية القيادة الفوقية وتمركزها الذاتي تمارس حرية داخلية معزولة عن المشاهدة تعرض من خلالها قوة التأثير على الواقع الاجتماعي والاقتصادي وتغيرت سمة الحكم النبوية من حكم المسلمين بقوة العقل وامتلاك مفاهيم الدين إلى حكم المسلمين بقوة الجاه وامتلاك الجند واتخذت مفاهيم الحرية واقعاً جديداً للتعبير عن مضامينها الجوهرية كتعبير مغاير في وجوده لماهيّة السلطة وتوجهاتها».

وتابع عجمية مستعرضاً واقع الحرية بين المطلب والواقع والأشكال التي اتخذت فيما بعد من تطلعات وكيفية انعكاسها في الحقيقة بين قوة السلطة وسلطة القوة ليختم المحاضرة بموجز استخلاصي عن الحرية ومسيرتها قائلاً:

«ألا يعني هذا بأن الوجود العربي هو الناتج لتاريخ الصراع والحروب أما تاريخ السلام فلم يظهر بعد على لائحة هذا التاريخ لأنه لم يعش بعد حالة السلام. فالحرية  في واقعها الفاعل هي نوع هادف غايته الانفلات من ضواغط الصراع والحروب وخلق مصالحة ومصارحة مع الذات ومع الوجود الاجتماعي وتعزيز قدرة الأفكار للتعبير عن وجودها كسلوك وفتح الواقع الاجتماعي والثقافي أمام جوهر الحرية القائم على حرية التعبير واختيار المعرفة والبحث العلمي وبناء شخصية واعية ومدركة لأبعاد الوجود الوطني والإنساني وتوجيهها نحو مضامين جوهرية غايتها الارتقاء إلى وجود أكثر نوعية وأكثر علمية وخلق صياغة فكرية اجتماعية قادرة على تحفيز الفكر وتفعيل قواه بتوصيل حرية الحياة للمجتمع من خلال التعاون وتأمين تكافؤ العقل والفكر من أدنى مستوياته إلى أعلى مستوياته والقدرة على إنهاء وتقويض أسس التحكم والفوقية عندها يتحقق واقع الحياة الكريمة في بعدها وغايتها الوطنية والإنسانية».

على ضوء هذه المحاضرة وما قيل كان لنا وقفة جانبية كمداخلة وسؤال:

س: ذكرت الواقع الاقتصادي في جانب من المحاضرة -  الواقع الإنساني عبر تاريخه لعبت الحركة الاقتصادية دوراً هاماً فيه من الجانب الفردي إلى الجانب الجمعي والذي تسبب بحركة البشرية. كيف تقرؤه في ضوء تاريخ الحرية الذي تكلمت عنه.

ج- عندما ننظر إلى الوجود الإنساني في حركته التفاعلية ندرك مدى الدور الهام للحركة الاقتصادية في بناء وأسس استمراره لأنه الجانب الهام في بناء الحياة الإنسانية وتطورها المستمر فعندما كان الاقتصاد تابعاً للطبيعة وكان الإنسان غير قادر على تحصيل حاجاته إلاّ من خلالها في هذا الظرف كان الإنسان عبداً وتابعاً لهذا الوجود وكان أسيراً له في معارفه وحركته لذلك نرى بأن الإنسان كان يقدّس ظواهرها المختلفة، لذلك كان الإنسان أسير العطاء الفعلي لهذه الطبيعة بكل مكوناتها الفاعلة، وعندما اكتشف الإنسان الزراعة والنار وتربية الحيوان بدأت الحياة تأخذ مجراً آخر من التحرر من عبودية الطبيعة وأنظمتها القاسية خاصة عندما بدأ الإنسان بإنشاء المساكن وتعاظم قدرته على تأمين وجود اجتماعي أكثر فاعلية في علاقته مع الطبيعة وعوامل الوجود وتنامت قدرته التحريرية عندما بدأت الاستقلالية تزداد تطوراً مع الزمن ومع اكتشاف المعادن و انتاج الأدوات و الآلات وتمركز الثروة الاقتصادية بيد الأسياد انتقل الواقع من العبودية للطبيعة إلى العبودية للأسياد عندما استخدم الأسياد قوة العمل الهائلة عند جحافل العبيد في بناء المدن والقلاع وتربية الماشية.

إرجاء الحرية بمفهومها السامي إلى العالم الأبدي في السماء هل هو اعتراف بفقدانها البشري؟

نعم هذا هو اللب الجوهري للصياغات المعرفية عبر التاريخ العقلي للبشر لأن الحرية المظهر الأسمى للسعادة البشرية فالحلم البشري خرج كظاهرة نوعية غائية الانفلات والانفكاك من القيود والتي ظهرت في الواقع الأرضي للبشر نظراً لتزايد الإعاقات المعرفية والسلوكية التي تحدد نمطية التوجهات البشرية السلوكية والعقلية والإنسان في طبيعته ميال دائماً نحو تحطيم قيود الإعاقة بكل أشكالها مما يستوجب تعزيز قدرته على التحرر الدائم من القيود لأن طريقة الصراع بين الضدين المتناوبين على حياة البشر وهما القيد والحرية هما في حالة من المواجهة الدائمة والمستمرة ، أجبرت العقل البشري على الهروب من حياته في الصراع هذا عندما ابتكر عالماً خالياً من الصراع إنه عالم الحرية والوحدة ، عالم الخلود والاستقرار والسعادة في العالم الآخر عالم الصفاء في السماء.

 

الفئة: