كل ثلاثاء...عفواً.. نحن في حرب

العدد: 
8605
التاريخ: 
الثلاثاء, 26 كانون الثاني, 2016
الكاتب: 
أنيسة عبود

لا أعرف كيف نتعلّم على الصمت الطويل ونحن في هذه المرحلة الحرجة التي تمر على البلاد والعباد.

فالبلاد في حرب دموية والجيش يقدم الشهيد تلو الشهيد..مؤسساتنا صارت خراباً ومصانعنا يباباً..وأرواحنا تراباً، فما قيمة أن نشكو الغلاء والغش والفساد ؟ ومن هو المسؤول الذي لديه الوقت حتى يسمع مواطناً لا ظهر له ولا سند ؟

فهل يعرف المسؤول بأن مزارع الحمضيات يرمي بإنتاجه الذي انتظره سنة كاملة وصرف عليه دم قلبه وشقاء عمره على تخوم الحقول والطرقات ؟

وهل تعلم وزارة الزراعة الموقرة أن هذا الكساد ناتج عن سوء الخطة الزراعية القديمة والمزمنة التي تخص الساحل السوري ابتداءً من المشاتل وانتهاءً بالأنواع والأصناف التي توزعها تلك المشاتل على المزارعين ؟ إن الكساد والهدر لمحاصيل الحمضيات مستفحل قبل الحرب على سورية..وقبل هذه الأزمة بسنوات كثيرة..ولقد كان هناك مقالات ودراسات تفند أوجاع مزارع الحمضيات الذي لا يجد سوقاً ولا معملاً لمحصوله ولا أي وسيلة تصريف سوى سوق الهال والوسيط والقبّان الآلي الذين تعاونوا جميعاً على تحديد السعر وتحديد الوزن والعبوة وفرض الضريبة لتتم سرقة تعب الفلاح وجهده وعمره وقوت أطفاله..فهل يعقل أن يباع كيلو البرتقال بعشرين ليرة اليوم..وكان هذا السعر منذ عشر سنوات..بينما ربطة الفجل تساوي خمسة أضعاف كيلو البرتقال ؟ يعني قيمة الليرة السورية لا تحافظ على وضعها إلا أمام شجرة الحمضيات ؟

عذراً.. نسيت أننا في حرب..وأن هموم الحرب أكبر من هموم البرتقال..ونسيت أنه علينا أن نتحمل ارتفاع الأسعار الجنوني للأسمدة والأدوية وعبوات البلاستيك..فهي محسوبة على الدولار..ونقل المحصول محسوب على الدولار وسرقة الوسطاء أيضاً محسوبة على الدولار أما السعر الذي يقبضه المزارع فهو المحسوب على الليرة السورية أيام كان لليرة عزّ وقيمة.. وأيام كنا نشتري ربطة الخبز بخمسة عشر ليرة ..وعدد الأرغفة عشرة.. أما الآن وبعد تضاعف السعر عدة مرات للربطة الواحدة..فقد طارت الأرغفة وحدها من كيس النايلون وصارت أقل عدداً وأقل جودة بحيث يضرب المثل بها لتكون نموذجاً لخبز الحرب أو خبز الأزمة.

نعم نحن في حرب..مؤسساتنا سرقت..وثرواتنا نهبت، ولكن لماذا لا نبحث عن خطط بديلة في الزراعة وفي التسويق وفي التصنيع لتتناسب والحرب اللعينة التي جوعت وشردت وقتلت وضيعت ما بناه الأجداد والآباء؟

لماذا لا نعود إلى عبوات الخشب في تسويق المحاصيل الزراعية؟

لماذا لا ننتهي من استغلال مصانع البلاستيك وتلوثها وسرقتها للمواطن والمزارع معاً ؟ كانت عبوات الخشب تعود من جديد إلى المزارع، ليعيد ملأها مرة ومرة ؟ لكن هذا العود الأحمد سيحزن أصحاب مصانع العبوات البلاستيكية التي لا يتقيدون بشروط الحجم ولا السعر ولا الجودة ؟ فهل يحق للتجار الذين هم كالمنشار أن يكدسوا الأرصدة في البنوك ولا يحق للمواطن أن يشبع ؟

عفواً.. نحن في حرب..ولا يجوز الوقوف عند هذه الصغائر فالوقت غير مناسب الآن لفتح هكذا ملفات..عفواً.. لكن هذه الصغائر نهبت رزقنا.. وخلقت طبقة طفيلية تعيش على جهد الشرفاء ابتداءً بالجندي المقاتل وانتهاءً بالفلاح الثابت في أرضه والمخلص لتراب وطنه.

مواطنون يدفعون دمهم للوطن ومواطنون ينهبون هذا الوطن غير معنيين بجوع الناس وقهر الناس ومذلتهم على أبواب المسؤولين الذين عليهم تدبير أمورهم ومشكلاتهم.

نحن في حرب..ولكن طفح الكيل، لم نعد قادرين على الصمت..هناك شرفاء نعم..ولكن هناك طبقة جديدة لا يعنيها وجع الناس ولا مصلحة الوطن ولا تشعر بالحرج من سرقة حتى دم الشهيد ودم الجريح ودم الوطن.. وهؤلاء اللصوص هم أكثر الناس تنظيراً بالوطنية والأخلاق والقناعة، وهم الذين تنفتح لهم الأبواب المغلقة وقاعات الشرف المزخرفة، لكن نحن في حرب.. فهل تبيح الحرب تكاثر اللصوص وتكاثر الألقاب..وتكاثر الأرصدة في البنوك والهروب إلى أن تنتهي الحرب فيعود الذي يعود..ليبدأ رحلة النهب من جديد ؟

لكن.. بما أننا في حرب فبعض الهاربين لن يعودوا دون لقب مزين بحرف الدال ليكون عوناً له في تسلم وزارة أو إدارة أو تجارة رابحة. عذراً نحن في حرب، والحرب أكبر من رغيف الخبز ولكن كيف سيكبر العشب دون مطر وكيف ستزهر الأرض دون بشر ؟

الفئة: