الصراع الاقتصادي العالمي والسياسات الاقتصادية المتغيرة

العدد: 
8595
التاريخ: 
الخميس, 7 كانون الثاني, 2016
الكاتب: 
د. هلا أحمد علي

انتقلت الجماعة البشرية من مرحلة الى مرحلة أخرى ومن نظام اقتصادي الى نظام آخر ولكل مرحلة خصوصيتها ولكل نظام آلياته وأدواته وحيثياته. والحقيقة أن تحديد نوعية النظام الاقتصادي و تطوره كان عبارة عن جدال و صراع بين الاقتصاديين النظريين و الذين يركزون الاهتمام بصفة رئيسية على استخلاص القوانين العامة التي تحكم النشاط الاقتصادي في فترة معينة وهذه كانت مهمة علم الاقتصاد وهنا نذكر بان المجتمعات البشرية منذ أن تكونت تنبهت الى حقيقتين هامتين:
الأولى: تعدد الحاجات و تزايدها مع الوقت, والثانية : محدودية الموارد الموجودة تحت تصرفها إذا قيست بهذه الحاجات المطلوب إشباعها السياسي القائم. والحقيقة ليست هذه الحقائق سوى ما أكده الباحث الاقتصادي السكاني البريطاني الشهير توماس مالتوس عندما نبه في نظريته حول السكان الى مخاطر الزيادة السكانية حول العالم وفق متوالية هندسية في حين يتزايد عدد الموارد الغذائية وفق متوالية حسابية الأمر الذي سيؤدي لا محالة الى ازمة موارد كبرى لا بد من حلها مهما كلف الأمر حتى لو كانت ابادة الأفراد غير المنتجين هي الحل لأنهم يشكلون عبئا على البشرية ويزيدون من تفاقم أزمة الموارد ويعرقلون توازن المجتمعات .
وظلت في الواقع تلك المشكلتين:(الحاجات والموارد) تحددان طريق ونهج الاقتصاديين في تشخيص المشكلات الاقتصادية ومن ثم حلها. ليس هذا فحسب بل ان طبيعة المشكلات الاقتصادية تحدد شكل النظام السياسي القائم وترسم سياساته الخارجية كذلك لأن طبيعة المشكلات الاقتصادية تفرض حلولا لا تأتي الا عن طريق تشكيل نظام ما معين. وهنا أجد أنه من المناسب ربما أن نتحدث عن مسألتين تثبتان رأينا هذا
المسـألة الأولى هي تنبه القوى العظمى لمسألة المحدودية في الموارد ومسارعتها في البحث عن حل جدي منذ بداية التسعينات والمسألة الثانية هي نشأة سياسة التغيير الناعم الأمريكي التي ولدت في الحقيقة من رحم الازمات الاقتصادية التي وقعت فيها الولايات المتحدة جراء عدة أمور سنأتي على ذكرها في هذا السياق.
بالنسبة للمسألة الأولى أي التنبه الى ازمة الموارد وبربطها بنظرية مالتوس السكانية سنجد ما حدث في العقد الاخير من القرن المنصرم هو أن القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة قامت بمجموعة دراسات توصلت من خلالها الى حقيقة مفادها ان العالم سيعاني من أزمة نفاذ في نوعين من الموارد الأساسية اللازمة للوجود البشري والاستمرارية وهما موارد الغذاء وموارد الطاقة وهي الأهم فلا يمكن تصور الحياة بلا طاقة سيما وأن الدراسات الأمريكية أثبتت أن عام 2050 سيكون عام نفاذ الطاقة. فما كان من مراكز الدراسات والأبحاث الا أن بدأت بالبحث عن أكثر مناطق العالم خصوبة واحتواء للموارد الأساسية للطاقة من منابع نفط وآبار وأنابيب غاز فكانت منطقة الهلال الخصيب هي الأغنى على الاطلاق وبدأ توجه السياسات العالمية نحو تلك المنطقة لتبدأ حرب الطاقة بشكل مبطن ان لم يكن معلنا ومطبقين نظريات أنشأتها سياساتهم وحاجاتهم الاقتصادية والسياسية سلفا كنظرية نهاية التاريخ ونظرية صدام الحضارات والتركيز على الطبيعة الحضارية للصراعات العالمية لإخفاء كنه الصراع الحقيقي ألا وهو الاقتصادي. وهذا ما يقودنا للحديث عن المسألة الثانية ألا وهي اضطرار الولايات المتحدة الى ابتداع سياسات جديدة تتناسب و الازمات الاقتصادية العالمية الناتجة عن اختلال الميزان: حاجات- موارد والتي ساهم في تفاقمها أيضا حروب أمريكا الثلاثية على العراق – أفغانستان- الارهاب , الحروب التي أنهكت الاقتصاد الأمريكي فالإتيان بالرئيس أوباما وانتهاج سياسة جديدة أطلقوا عليها سياسة التغيير الناعم كانت أيضا نتيجة وليس سببا وكانت حاجة اقتصادية أكثر مما هي نهج سياسي أو فكري كما ظن بعض السذج. اذ كان لابد من ابتكار حل يتحقق فيه هدفين معا وهما الاستمرار في تدمير وبلبلة واضطراب الدول النامية لكن ليس عن طريق التغيير الخشن الذي ساد في ولاية بوش الابن وانما عن طريق التحكم عن بعد وعدم ارهاق الاقتصاد الامريكي واقتصاد الحلفاء
وهذا ربما مثل واضح اولا على ارتباط السياسة بالاقتصاد وثانيا على الأصل الاقتصادي لتغيير النظم السياسية التي تستمد عناصرها ومقوماتها من طبيعة المشكلات الاقتصادية التي تتطلب حلولا عن طريق نظام بديل تفرضه الضرورة الاقتصادية.

<script type='text/javascript' src=''></script>

الفئة: