قبل الأبد برصاصة

العدد: 
7684
التاريخ: 
الاثنين, 26 كانون الأول, 2011
الكاتب: 
سليم عبود
" ضاقت المقابر ، فجاءت الجرّافات ، وفتحت الخنادق ، وطمرت الأطفال والنساء والشيوخ في حفرة

واحدة ، لاصلاة ، ولا شواهد ، ولا صلبان ، ولا أكفان ، في حفرة واحدة طوائف العراق ، أجناس ، وقوميات متناحرة ، وأعمار متناثرة كأنها الورق ..... كان الجنود الأمريكيون يتمازحون ويضحكون ، وشربوا نخب القبور الجماعية ، ثم اندسوا في دباباتهم ومضوا ." هذا مقطع صغير من رواية الكاتبة أنيسة عبود الأخيرة بعنوان " قبل الأبد برصاصة " الصّادرة حديثاً عن دار الهلال المصرية التي احتفت بالكاتبة . " النعنع البري " رواية أخرى للكاتبة فازت من قبل بجائزة المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة عن الرواية العربية ، وهنا لابد من القول " إن من المحزن أن تكرّم الكاتبة ، أنيسة عبود ، أو غيرها من الكتاب والأدباء السوريين خارج سورية ، وأن تقوم دور النشر العربية ، وغير العربية بطباعة أعمالهم ، وفي بلدنا سورية المقاومة المناضلة العروبية لاتذكر المؤسسات الثقافية حتى أسماءهم .. وبتعبير أدق تتعمد تجاهلهم. رواية أنيسة عبود " قبل الأبد برصاصة " اتسعت أصداؤها الأدبية في شارع الثقافة المصري ، وأثارت في نفسي كثيراً من الوجع والقلق والألم على العراق ، تقول بطلة الرواية : " لكن دوراً سبقتني وقالت " لقد ذبحوا أحمد العلي ، دخلوا منزله واغتصبوا زوجته أمامه ، وعندما صرخ متوجعاً أطلقوا النار عليه ومضوا" الصفحة 14 من الرواية . بت أخشى أن ينسحب الوجع العراقي على العالم العربي ، و سورية الساحة المرشحة ، لتدفع ثمن هزيمة المشروع الأمريكي الصهيوني في العراق وفي لبنان ، وغزة ، وفي المنطقة . رواية "قبل الأبد برصاصة " .. تقرع الرؤوس التي مازالت تحمل همّ العروبة ، ولم تعد كثيرة ، لتفتح فيها ثقوباً من الوجع والخوف ، لتقدم قوات المارينز كيف اغتصبوا العراق بأرضه ونفطه وتاريخه وثقافته ورجاله ونسائه ، كيف اغتصبوا مهى ، ودالية ، وسلمى ، و نساء كثيرات ، وأطفالاً كثيرين ،ورجالاً كثيرين في سجون أبي غريب وغيرها . الرواية تصرخ فينا ، تصرخ بعقولنا التائهة ونحن نقلّب مشاهد الوجع العراقية المأساوية : " أوقفوا مايجري في سوريا بمخطط أمريكي إسرائيلي بدعم من أنظمة عربية امتهنت التآمر على سوريا : ألم يدخلوا بغداد ، ألم يغتصبوا العراق كله بدعم ومباركة هؤلاء العربان الذين يتآمرون على سورية بتهيئة المناخات ليدخل الأمريكان والصهاينة إلى دمشق ، من أجل أن تسبى نساء دمشق وأطفال دمشق ورجال دمشق وكرامة الأمة ، وليدخل هذا الصهيوني "هنري ليفي" إلى عاصمة العروبة كما دخل غوروا ليركل قبر صلاح الدين ، كما دخل طرابلس الغرب ، والقاهرة، وتونس .. لكنها دمشق ، ودمشق لاكغيرها من العواصم العربية . " تصرخ مهى بطلة رواية " قبل الأبد برصاصة : " أغلقوا التلفاز ، اغلقوا هذه الكذبة اللعينة التي تدور من بيت إلى بيت " ما الفرق بين بطلة الرواية العراقية وتلك الأم السورية أم " ساري " التي احتضنت ولدها المضرج بدمه ولم تزل ابتسامته الطفولية على شفتيه تبكيه ، تصرخ ، تتلمس دمه الساخن النازف برصاص القتلة ، لابد من أن القتلة غرباء ، يتنكرون بزي الطائفة ، وبزي الثورة ، وبزي الدين ، لايمكن لهؤلاء القتلة أن يكونوا سوريين وأن يكونوا شربوا من العاصي ، أو تنسموا هواء حمص ، أو صلّوا في جامع خالد بن الوليد ذات يوم . أتخيل في الرواية صوت مفتي الجمهورية " محمد بدر الدين حسون " يرثي ولده " سارية " والدمعة تقف في حنجرته قادمة من قلب مكلوم ـ يارب ـ قتله المجرمون ، اسمع أصوات آباء وأمهات وأبناء كل الشهداء في صوت هذا العراقي الذي وقف على أحد جسور بغداد ليغرق في البكاء ، وقبل أن ينسكب ضياء شمس بغداد في عينيه اندفع نحو الجنود الأمريكيين الذين يتحرشون بالنساء والأطفال . إنها الرواية الوحيدة التي تكتب مأساة العراق ، بل مأساة الأمة .. اليوم... فرصتنا السانحة في سورية أن نفتح عيوننا على المشهد العراقي الدامي ، يخرج الأمريكيون اليوم من العراق ، وسيظل نهرا دجلة والفرات يبكيان هذا الدم العراقي الذي استباحة الأمريكيون و الخونة العرب .، فرصتنا أن نفتح عقولنا على مايجري في العالم العربي من مآس ودم وقتل وتهديم . وتنهض " مهى" بطلة رواية إلى الأبد برصاصة " كما ينهض بطل " رواية "الربيع الأسود " لهنري ميللر ليقدم وصيته : " منذ تفتحت على الدنيا والصراصير تمنعني من النوم ، صراصيركم كل الأنواع والمقاسات والحجوم ، كان لابد من التحرش بإنسان ما للتحرر منها ، الصراصير هي الحزن في عيون الأطفال ، الخناجر في أيدي القتلة ، المال المتراكم في البنوك ، اللصوص الذين يختبئون في دوائر الدولة ، مستنقعات الدم الممزوجة بالوحل " في المدن السورية من يحمل السلاح ليقتل كل يوم عدداً من أمثال ساري الذي أبكانا، و سارية الذي أدمى قلوبنا وأغضبها ، و يغتصب النساء . سأقول لكم كلاماً لم يقله الإعلام " إنهم يغتصبون في حمص وغير حمص حتّى الرجال " . على الإعلام أن يفتح فمه ويتكلّم .. أو بالأحرى أن يفضح هؤلاء الذين يدجّلون على الله والوطن والناس .. كما يقول الكاتب الأمريكي " جون شتيانبك :" كان ينبغي أن نعرف أنكم قتلة ، كان ينبغي أن نعرف أننا مرشحون أن نكون من ضحاياكم / كان ينبغي أن نكون ضدكم ، وأن نقاتلكم ، لا أن نبقى متفرجين مشاهدين ".‏