ثقافتنا عندهم

الكاتب: 
زهير جبور
دهشت كثيراًحين علمت كيف تدرس اللغة العربية , وعلومها وفكرها , وثقافتها , للطلاب الأجانب في جامعة (ويل ) بالولايات المتحدة الأمريكية , حيث لم تترجم المراجع المختصة , باستثناء واحدة فقط عن جحا الذي فقد حماره , ثم تذكر أنه فوقه , وقوبلت

بالسخرية , مما جعل الطلاب ينصرفون عن دراستها , ويكونون فكرة أن أدبنا خال من المضمون , ولا يحمل أية قيمة إنسانية , واستمر هذا الوضع عدة سنوات , مما دفع إدارة الجامعة لتفكر بإلغاء العربية من كلية العلوم واللغات القديمة , وبالطبع وراء ذلك صهيونية أمريكية تحارب ما نملك من تاريخ ولغة وحضارة , عاملة على تشويهها أو طمسها . استلم الدكتور بسام فرنجية الكلية المذكورة في الجامعة , وتحمل مسؤولية قسم اللغة العربية فيها , وعمل مباشرة على ترجمة آيات من القرآن الكريم بما تتضمنه من مفهوم إنساني وقيم وأخلاق , وبعض الأحاديث الشريفة النافية للتميز وتكرم الإنسان بعمله تجاه المجتمع ونفسه , مركزاً على ما يهتم به الطلاب الأجانب الراغبين في معرفة الفكر العربي على حقيقته , وأستاذهم يعتنق الديانة المسيحية ويشجعهم على فهم الإسلام , ثم ترجم قصائد لمحمود درويش شارحاً أبعاد القضية الفلسطينية , وأخرى لنزار قباني , وجد لديهم رغبة بالتعمق , أكثر , خاصة وأنهم أدركوا أن العربية ليست مقتصرة على حمار جحا , وهو من الأدب الساخر القديم الذي عرفه العرب قبل غيرهم من الشعوب , وتوسع بمشروعه أكثر وعمل على ترجمة اثنين وخمسين نصاً من القديم والحديث , فاختار غسان كنفاني . حنّا مينة , هاني الراهب , عبد الوهاب البياتي . طه حسين . بعض الموشحات الأندلسية . كليلة ودمنة . ابن رشد . المتنبي . ومن الشخصيات العربية , خطاباً للرئيس جمال عبد الناصر . وآخر للسيد حسن نصر الله . ومن أدب الاغتراب , ميخائيل نعيمة . جبران خليل جبران . وغيرهم الكثير , قدمت له جامعة البحرين المساعدات المرجعية المطلوبة , وفي معهد ( القرآن الكريم ) قرأ فكر ابن تيمية , وابن جنّي , وجمع هذه الترجمات في كتاب سماه ( مقتطفات من الثقافة العربية ) ولقي إقبالاً جيداً , ثم ألقى حوله محاضرات في العديد من الجامعات , لينجز عملاً عجزت عنه مؤسسات كبرى في الوطن العربي , ولم تفكر بصناعة ما يشبهه , وواجه حملة شنت ضد أسلوبه التعليمي داخل الجامعة وخارجها ممن يحاربون لغتنا وثقافتنا , لكنه تمكن من تثبيت برنامجه التعليمي , واستقطاب الطلاب الأجانب الذين يدرسون لغتنا , بعد أن وجدوا فيها ما هو أعمق فكراً وأشمل موضوعية , والدكتور بسام فرنجية من أبناء فلسطين , هاجرت أسرته في عام النكبة , وأقامت بمدينة القنيطرة في الجولان المحتل , وولد فيها , وغادرها نزوحاً بعد نكسة حزيران , وكان قد حصل على الشهادة الإعدادية , وهاجر الى أمريكا ليتابع دراسته , وهو في الاغتراب من أربعين سنة , يقول : ( ما أتعس الحياة حين يستطيع العدو أن يفرقنا , وما أجملها حين نكون على ثقة بأننا سننتصر ذات يوم ليس بالبعيد ) وعلى هذا المبدأ يوصل الأفكار الى طلابه , وهو يشرح لهم معنى الاغتراب القسري الذي ما عرفوه , وما هو مفهوم الارتباط بالجذر , وقيمة المواطنة حين يعيش الإنسان في وطنه الحر , والألم النفسي والجسدي حين يطرد الغاصب شعباً بكامله , وما هي دوافع الشهادة وقيمها النضالية , ولاحظ أنهم يهتمون بهذه المواضيع التي يجهلونها تماماً , وقد أحسوا بغربته ومعاناته , وهو الذي يقيم في أمريكا كل هذه السنوات الطوال ويمكنه أن يتنكر للعرب والعروبة , الجذر والتراب , ولا يلام , فثمة من يعيش تحت سماء الوطن , وفي ظل علمه , وينهب خيره وقد فقد هذا الإحساس وألغاه من شعوره وتفكيره , كثيرة هي المعارك التي خاضها مع خصومه هناك , وكان يواجههم بالعلم وفهم تاريخ الأمة وحضارتها , وهي الحرب القائمة الآن ويشنها الأعداء ضدنا في المجتمع الأمريكي والأوروبي بشكل عام , محاولين تشويه صورتنا قدر الإمكان , ونحن في عيونهم بدائيون لا نستحق الحياة , ولا نخلص لأحد , ولا نعطي الأبرياء حقهم , وفلسطين للصهاينة , كما يروج إعلامهم , وحين يبرز شاب مثل ( منتظر الزيدي ) محولاً الحذاء الى بصقة يرميها في وجه ( بوش) يدعون أنه بحاجة لمصح نفسي , ومن سوء الحظ ثمة حكام عرب يرددون ما يقولونه ويسخّرون إعلامهم لصالح عدو أمتهم . مشروع الدكتور فرنجية لم يلفت انتباه أحد , ولم تكترث له جامعة الدول العربية , وقد عمل بصمت دون أية مساعدة تذكر , ولوحده حلّ مكان كل السفارات المتواجدة هناك , وأقام مركزاً قومياً عربياً , ضمّ إليه كل من ترجم له وقدم فكره وأدبه , وكان سلاحه بالمواجهة , سندعو السيد بسام فرنجية الى اللاذقية في الربيع القادم لإلقاء محاضرة , وسنستمع إليه ونناقشه بموضوع حرب الثقافة والفكر , ولم نهيئ لهما بالخارج أية مواجهة تذكر , باستثناء بعض المبادرات الفردية , وسينما العدو تغزونا , وكان آخر أفلامها بعنوان ( رقصة الفالس ) الذي عرض بمهرجان كان , وهو يبرر مجزرة صبرا وشاتيلا , وينفي دور جنود الاحتلال فيها , ويعرض حالياً بمعظم الدور في العواصم الأوروبية , أما أصحاب رؤوس الأموال العربية فهم يفتحون كل يوم فضائية جديدة لتعريفنا على آخر أخبار فنانات السيقان , طلاقهم , زواجهم , مقتلهم , أثوابهم , سهراتهم , عهرهم , وهي مكرسة للغناء الهابط . السخيف . التافه , مؤكدة خلو ثقافتنا من مضمونها , مؤيدة بذلك إعلام العدو الهادف الى ترسيخ هذا المفهوم , ولا يسعني إلا أن أقدم كل التقدير للذين يناضلون في الداخل والخارج لإنقاذ الأمة وتاريخها , الشرفاء الذين يضحّون , ألم يدخل ( الزيدي ) التاريخ من أوسع أبوابه ؟ وهو يختم عهد رئاسة ( بوش ) بحذاء في وجهه , وقد وصلت رسالته , أننا أمة سنحارب بكل شيء , ونحول الحذاء الى قذيفة في وجه المعتدي , والمغتصب , وليفعل الحاكم المحكوم ما يشاء وسنبقى .‏