بينة الشط والجبل .. دودة الحرير

الوحدة 29-10-2020

 

على شرفة البحر ارتميت. طيوفٌ مزهرةٌ تعبرني. أحسستُ بدمي يصعد إلى رأسي وهو يخرخر فرحاً.

كانت الأشكال تفرُّ من رؤوس أصابعي, وتتجمّد في الهواء. ثم تعود إلى العدم. أفقتُ على صدى المويجات اللطيفة التي كانت ترسل تمتمتها بمودةٍ فوق الحصى الملوّنة ورحت أصغي إلى حفيف الريح وهي تغسل وجهي برزازها الأزرق. شعرت بقلبي يكاد يطير, وأبحرتُ بعينيّ في المدى, ورحت أتأمّل غيمةً محمولةً على ريحها.

 غمرتني فرحةُ ما. فتحتُ يديّ لاحتضانها ورأيتني أقلّب في دفتر ذكرياتي وأقف عند ما كتبته ذات عمر. أعدتُ قراءته فوجدتُ أن الإنسان هو المخلوق الوحيد من بين كل المخلوقات القادر على أن يرتكب فِعل الخطيئة, ورأيتني أسأل نفسي مستغرباً: لقد خلقه الله على صورته. فلمَ عليه أن يرتكب الخطيئة؟!

×××

أتابع دفتر ذكرياتي لأقرأ حواراً دار بين صديقين.

قال الأول: هل تعرف دودة الحرير؟

أجاب الثاني: نعم. أعرفها

-وهل تعرف كيف تعمل؟ أو هل لك علمٌ بمعاناتها جرّاء عملها؟

-لا . ليس كثيراً. أعرف أنها تتغذى على أوراق التوت ثم تحوّل غذاءها إلى حرير.

- إذاً.. إليك ما أعرفه: تتألم دودة الحرير كثيراً عندما تتحول أوراق التوت التي أكلتها في داخلها إلى حرير. حيث تبدأ عندها عملية الخلق. فتراها تهزّ رأسها من جانبٍ إلى جانب. وتنتزع أحشاءها برعشةٍ تشنجيةٍ, وتستخرج الحرير خيطاً رفيعاً بعد خيط رفيع, وتغزل بصبرٍ وحكمةٍ كفنها أبيض ذهبيّاً. وكلّ ما تنتجه من المادة التحتية. أي أنها تحوّل أكلها إلى براز, وبرازها إلى حرير.

- لا عجب يا صديقي. إنها قدرة الله ومشيئته. ولكل مخلوق دورٌ ينجزه في حياته.

- صدقت يا صديقي. فالأنبياء بشرٌ مثلنا لكنهم أدركوا بإيمانهم الذي تحوّل إلى يقين قدراتهم فجاؤوا بالمعجزات.

×××

 أمدّ يدي إلى مكتبتي. أتناول كتيباً معنوناً بـ (صديقي الله) للفنان المبدع زياد الرحباني أقرأ:

ثمة عصفور واحد. قلت: سآخذه. نهرتني أمي وقالت: بل دعهُ كي لا تستوحش الكروم.

سيف الدين راعي


طباعة   البريد الإلكتروني