وقال البحر.. روح الصداقة...

الوحدة 30-9-2020  


يستطيع بعض الناس كسب عطف الآخرين وإعجابهم، وفرض احترامهم، وإنماء الصداقات المميزة والمخلصة معهم، من خلال طبيعة ونمط شخصياتهم التي تلعب دوراً محورياً في شد العقول وأسر القلوب إليها، وتتطلب تنمية علاقات الصداقة الرفقة الحسنة والمعاشرة الطيبة ونمط الأحاديث المطروحة وتَشارك عموم الاهتمامات، وفي الواقع أن النجاح في ذلك لا تكون نشأته صدفة بل يستلزم ترتيباً للأهداف الموضوعة في سبيل بناء روابط صداقات حقيقية وعملية عند الاقتضاء، كما أن إسقاط الأقنعة يؤدي فعلاً إلى معرفة الناس بحقيقة بعضهم البعض في حين أن التكتم وعدم التقرب يؤدي إلى تأويلات مختلفة.

يُجمع أصحاب الرأي على أن الإصغاء وسيلة فاعلة وطريقة ناجحة في تشجيع شخصية المُتحدث لمتابعة حديثه وتعميق أواصر الصداقة معه والاحترام له كونه يدل بصدق على تحقق عناصر الود والتبجيل والتقدير.

ولحُسن الإصغاء خصائص هامة في مقدمتها إبداء الاهتمام بما يُقال كما أن للعيون لغة تُؤكد للمتحدث مدى اهتمام السامع أو عدم اكتراثه، ومن المعلوم أنه رغم عمق ورسوخ علاقات غالبية الصداقات الودية فلا بد من أن تتعرض أحياناً إلى بعض المشاكل ولهذا فلا مفر من قرار الاستعداد لتقبل خوض مثل تلك العواصف لأن ذلك مؤشر على تأكيد القيام بأي خطوة مطلوبة وتحديد المسؤولية في صُلب إطارها الواضح وعدم الانكفاء بغية رأب أي تصدع في سبيل تصحيح كل خطأ صادر، ولا شك في كون الاعتذار عن أي هفوة يُعد تعبيراً عن قوة المعتذر لا عن ضعفه علماً بأن الانكفاء يعني عدم الاهتمام بالصداقة والاكتراث لمعانيها في حين أن تحديد أية مشكلة وتوضيح آلية حلها كفيل بإظهار معاني الاحترام للصديق والرغبة في مواصلة مشوار صداقته، ومن المعلوم أن أي حالة فشل في إقامة أية علاقة صداقة لا تُحتم بالضرورة تعميم الفشل في محاولة إقامة علاقات ودية جديدة أخرى والسبب هو ربما اعتماد واتباع أساليب سابقة لم تُعد صالحة كما أن صحة التقدير وطريقة تصور الذات كفيلة بتحسين علاقات الصداقة وتطوير المكانة بين قائمة أسماء الأصدقاء، ولا تتوقف أحاسيس احترام الغير وحبه على مشاعر الآخرين فقط بقدر ما تكون منبعثة من ذات المرء نفسه.

يُمكن تحديد أنواع الأحاديث بثلاثة بنود رئيسية وهي:

- عرض الحقائق

- إبداء الآراء

- التعبير عن المشاعر

ومما لا شك فيه حقيقة بأن إشارات التردد في إبداء المشاعر الصادقة والامتناع عن التعبير عنها بحرارة خشية عدم وجود مُبادل لها بالعبارات والصور العميقة المتجلية يُفقد احتمال ترسيخ وتوطيد صورة رابط الصداقة وربما جعلها مأساة مستترة، وتُعد الصراحة والوضوح في الإعلان عن حقيقة الذات أمام الصديق مفتاح القاعدة الذهبية لتعميق أواصر الصداقة كما أن صدق التعبير عن أبرز مكنونات المرء أمام الغير هو توثيق لصلة المرء بنفسه وتحقيق للقول المأثور (اعرف نفسك)، وهناك من الناس من يظن في أن كسب الود والصداقة بسهولة لا يثير العاطفة ولهذا يُفضل تحقيق هذا بنتيجة جهد وجَلَد ويرى في ذلك متعة وغبطة مع الاعتقاد بأن السهولة في الظفر بالصداقة والود تُعبر عن اتكالية وتطلب.

هنالك صفة شخصية سلبية وهادمة وتُنفر الناس من صداقة حاملها وهي الاتجاه إلى السيطرة على الغير ولعل خطورة هذه الصفة تتجلى على أشدها عند اتخاذ قناع الحب وستار الوقاية والحرص ذريعة لها، كما يحول الكبت دون توافر فرص التعارف وتنمية بذور الصداقات وترسيخها ويُعيق التعبير عن حقيقة المشاعر والإفصاح عن معرفة كل صديق ما يُراد منه مع عدم التغافل عن أن للكبت دوراً بارزاً وهاماً في نشوء وتفاقم المشاكل النفسية وظهور الأمراض الجسدية أيضاً وضيق الأفق وتقلص رحابة الصدر.

تُعتبر مشاعر الغضب والعنف والشعور بالخيبة عناصر مشتركة بين عموم الناس ولذا فلا بد لكل علاقة صداقة من الأخذ باحتمال ظهور مثل هذه العواطف في الاعتبار حتى أن الاستعداد لتقبلها منذ البداية مفيد جداً في بناء صرح الصداقة شرط أن يكون الاستعداد متبادلاً ومن المفيد ذكره بأن هذه الحيثية تُعتبر دلالة تصرف سليم ناجم عن تفهم عميق و متبادل للمشاعر السلبية بين الناس، ولمواجهة تلك التصرفات وغيرها فينبغي التحلي بسمات الطيبة ونظافة القلب استناداً إلى أن العواطف قابلة للتغير مما يحول دون الكبت والهلع، ولعل ما يُمَكن من القدرة على مواجهة أي طارئ في هذا المضمار هو عدم التنديد بأخطاء الطرف الآخر وأيضاً عدم ترك المشاكل تتعقد وتتراكم بل يجب تناول كل مشكلة لوحدها لإيضاح سبيل الوصول إلى التفاهم المشترك لحلها ومعالجتها بحكمة.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني