وقال البحر عطاء الوفاء...

الوحدة 16-9-2020 


لا يكاد يمر يوم في مسيرة هذه الدنيا ودروب فصول الحياة إلا ويترحم فيه المرء على الكثير من الشيم الأصيلة والأخلاق الحميدة النادرة والمفقودة في شتى صور المعاملات الحياتية اليومية، ولعل أهم وأبرز تلك المفقودات هي سمة الوفاء تلك العملة النادرة بحق لدرجة تصنيفها من قبل الكثيرين كواحدة من أبرز مستحيلات هذه الحياة الثلاثة المتمثلة في الغول والعنقاء والخل الوفي، وفي متاهات هذا العالم المعاصر يدور المرء حول نفسه و تُحاصره هموم المشاغل وأصداء الاحتياجات وتُصبح معاني الوفاء بالفعل شيئاً نادر الوجود ولكن هل يمكن للإنسان العيش بهناء وسكينة بدون حد أدنى ومقبول من صور الوفاء، فالوفاء عنوان الصلة والتواصل مع الآخرين في زحام المجتمع وأساس تحقيق العلاقة السليمة والضرورية مع المحيط بكل أشكاله وشتى مناحيه، وفي هذا المقام لا يُنسى سرد بعض عناوين القصص النادرة المنقولة من صفحات الماضي في تاريخ الأدب العربي كقصة وفاء السموءل التي أصبحت مضرباً للمثل حتى شاعت العبارة الشهيرة عبر موجات الأثير: (أوفى من السموءل) على ألسن الناس في كل الأصقاع.  

في واقع الأمر يجد المرء المتصفح أن قصص الغدر ونكران الجميل تفوق بكثير مواقف الوفاء في هذه الأيام فحينما يتسلم شخص ما موقع المسؤولية ودفة القيادة في قطاع بعينه فيُلاحظ أن البعض يُنكرون بصمات وإنجازات ومآثر من كان قبلهم ويرفضون الاستفادة من خبرات سلفهم ولو كانت تُمثل أفضل آليات العمل وأحسنها وهذا ما يُولد في كثير من الأماكن والمقاصد المختلفة إهمالاً واضحاً وتراجعاً ملحوظاً في أداء وإنتاجية مجالات كثيرة ومتشعبة من القطاعات.

يُعد الوفاء بين الأزواج عاملاً رئيسياً ومُحفزاً ضرورياً للتنعم بسنوات زواج مستقرة ومشاعر صافية وصادقة ونعيم مُزهر عبر تعاقب الأيام وإحساساً سعيداً بروعة الحياة، كما أن مصطلح وفاء الرعاية يعني صدق دعم نمو إنسان آخر والاهتمام بمشاعره وحاجاته لأن أهم ما يُفتش عنه الإنسان العاقل في حياته هو الالتقاء بشخص يُكرس نفسه بصدق ووفاء لتحقيق سعادتهما المشتركة وتوفير الرشاقة في التعبير عن الأفكار والمشاعر وقيم الوفاء الصادقة.

تُعتبر الطريقة الفضلى في منح المسرة للوجوه وإحلال تعابير البهجة والرضا في أعين الناس هي البدء باعتماد أُسس الوفاء كقواعد مسلكية ذهبية تتوجب ممارستها لإضفاء الشعور بالرضى عن النفس والوصول إلى نشوة التكامل وازدهار العلاقات ولا يخفى بأن جوهر الوفاء النادر والحقيقي الذي لا يبتغي المرء من ورائه أي شيء إطلاقاً هو ذلك الوفاء الذي يتجاوز معناه إلى عتبة الإيثار والتضحية لمن لا يخافه الإنسان ويحذر منه أو حتى يرجوه.

يُمثل جانب طيب الخاطر والابتعاد عن غرق الانشغال في بحر السلبيات مفتاح نجاح عطاء الوفاء الذي يتجاوب به كل شخص ولا يمكن الحصول على علاقات الوفاء الحقيقية والعميقة نتيجة المواهب الشخصية وأساليب الكلام و طرق الحديث فقط ولكن يتم بناؤها وفق انتهاج خطوات ملموسة ومحسوسة بصدق في رحاب الدنيا، ويجدر التذكر بأن الإنسان يُخطئ و يُصيب في بداية تفاعل أي أمر قبل أن تتحقق له الخبرة الحياتية الوافية والكافية و التي تُؤمن له صوابية التحليل ودقة الإصابة ونجاح التحقيق.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني