وقال البحر... لماذا كرهوا الصيد؟

الوحدة: 9-8-2020

 

قال سالم لجدّه: ما أجملَ رفوفَ العصافيرِ وهي تطيرُ في الفضاءِ الأزرق!

هزَّ الجدُّ رأسه وقال: إني أتأملها بإعجاب، وأسمعُ أغانيها العذبةَ عندما تستيقظ في الفجر.

قال سالم: أكرهُ صيدَ العصافيرِ، في قريتنا صيادون قلوبهم قاسية، صيادون لا أدري من أين جاؤوا؟

 قال الجدُّ: أنا مثلكَ أكرهُ صيدَ الطيورِ، علينا أن نحافظَ عليها لتمتلئَ أجواؤُنا بالألوان والموسيقا والفرح.

قال الحفيدُ: لفتَ نظري طائرٌ ينتقلُ من غصنٍ إلى غصن ويغني، جاءَ صيادٌ نظراتُه مشتعلة.

ضغطَ على الزنادِ، فدوّت طلقةٌ من بندقيته، توقفَ قلبُ الطائر، سكتتْ أغنيتُه، سالت منهُ قطراتُ دمٍ قاتمة، هوى على العشب الأخضر، تملكتني موجةٌ من البكاء، وأنا أحسُّ بدويّ عجيب في رأسي.

صمت سالم وهو يرتعشُ ويستعيدُ الذكرى الأليمةَ، تعلّقَ بعنق الجدّ، وأسندَ رأسهُ إلى صدره مطمئناً كأنَّه يستظلُّ بشجرةٍ حانية.

×××

كنتُ طفلاً حينَ رأيتُ عصفورين يطيران بانسجام جميل ويحطان على شجرةٍ وهما يغردان معاً.

جاءَ شابٌ وقذفَ حجراً نحوهما، سقطَ أحدُ العصفورين على الأرض قريباً مني. ارتعش جسدهُ كما يرتعش اللهب في المصباح قبل انطفائه وتوقفت حركاتُه، تأملتُه وقد فارقته الحياة، حمل الصيادُ العصفور ومضى به، زحف الخوفُ إلى نفسي وتلاحقت أنفاسي تخيلتُ أني عصفور قد أصابه الحجرُ فسقطَ جريحاً.

كبرتُ وكرهتُ الصيدَ، وكلما سمعتُ عن الصيدِ أشعرُ بأشجانٍ عميقةٍ تهزّ كياني.

×××

اصطحبني والدي إلى بيت صديق لي، وفي الصالة الفسيحة أخذ الرجل يتحدث عن مهارته بالصيد، وعن البراري التي يصطاد فيها، والمسافات التي يجتازها، وقال مفتخراً: إني آتي بطيورٍ وحيواناتٍ أزيّن بها بيتي كأنها أثاثٌ جميلٌ أو تحفٌ فنيةٌ، وهي تدل على نجاحي في رحلات الصيد.

رافقنا الرجلُ إلى غرفة أخرى. عُلّقت إلى جدرانها فراءٌ وجلودٌ لحيوانات متنوعة، ورؤوسٌ لغزلانٍ تعيشُ في الصحراء، وعلى طاولة رأينا طيوراً نادرةً محنّطة، وعصافيرَ صغيرةً كقلوب الأطفالِ، أحسست أني ريشة في مهب الريح، ارتعشتُ والدموع تنهمرُ على خدّي. مسحَ والدي رأسي بكفهِ، وغادرنا البيت، وأنا أعاهدُ نفسي على الوقوف في وجه الصيادين عندما أصبح كبيراً.

عزيز نصار


طباعة   البريد الإلكتروني