وقال البحر.. نستأنف السير معاً

الوحدة: 27- 7- 2020

 

جسده الهزيل يرتطم بالأرض، يتناثر الأثاثُ ويسكتُ صريرُ العجلات، أعجز عن السيطرة على نفسي، أهرول نحوه، أرفعه عن الأرض، ينظر عابرون إليه بشفقة، يمتلئ الزقاق بالأولاد يحيطون به مدهوشين صاخبين هل يرفع رأسه بكبرياء أم يخفضه في مذلّة؟

يجمع الأثاث المتساقط، يلتفت نحوي صامتاً يعلو هدير الريح, والناس يهرولون ليختبئوا في بيوتهمن ما بك أيها العجوز؟ لن تكون وحيداً هذه المرة، أمسك أنا ذراع العربة اليمنى, وتمسك أنت الأخرى، نتّجه إلى الأمام، لحظات كزمن شاسع, والهواء مثقل بروائح قاتلة، نمرّ بحارات قديمة ضيقة تزدحم بالأطفال والجرذان والنفايات, والأطعمة المتعفّنة والقذارة، هذه العربة مثقلة بالأغراض البالية، نفسي مثقلة بالأحزان، كلما أوشك صاحبي العجوز أن يصل إلى شاطئ الأمان تُحدق به الأخطارُ والعواصف, آلامه لا تطاق، إني أفهم معنى الشقاء الإنساني.

أيها العجوز لم تكن حياتك عبثاً وبلا معنى, منذ نصف قرن أعرفك.

بنيتَ أسرةً كبيرة والهموم تجثم على صدرك, وأنت تتحامل على نفسك, وتتنقّل بين أحياء شقيّة، تسكن أقبيةً لا تعرف الشمس، تطبع كتابك الأخير بأموال تستدينها،

تحمل نسخاً كعتّالٍ محطّم تطلب المساعدة والرأفة بأحوالك.

تغدو حركاتك بطيئة تسقط من جديد، أرفعك مرةً أخرى، تفوح منك روائح الخيبة والزمنِ الطاغي، تمشي على طريق الآلام منذ سبعة عقود من الزمن ولم تذق الراحة.

أما زلتَ تحلم بفضاء جميل؟ عمرُكَ يمضي وقلمكَ يتعثر، كل شيء يبدأ بالقهر وينتهي بالقهر، تضيع حياتك في طيات الماضي ومتاهات الحاضر، ملعونة الأوهام الضائعة، ملعون هذا العمر الذابل، عربة وحكايات عمر مهترئة، تشتعل ذكرياتٌ، تنطفئ ذكريات هذه هي طريقك المحفوفة بالعذاب والأشواك، تقع، تنهض، تخونك الأقدار، تستعيد ذاكرة المرارة والوجع الطويل.

تقاومنا العاصفة نغتسل بالمطر تتلاحق أنفاسنا, ولكن لابد أن نستأنف السير معاً، يعلو صرير العجلات، نتمسك بالأمل الهارب, ونحن مشدودان إلى عربة تتقدّم عبرَ عاصفةٍ لا تهدأ.

عزيز نصار


طباعة   البريد الإلكتروني