بين الشط و الجبل ... ذاكرة الورق

الوحدة: 8 تموز 2020



أقترب من ذلك الركن الهادئ في منزلي المتواضع، حيث تقبع عشرات الكتب القديمة والصديقة، أمدّ يدي كي أقطف منها زهر اللوز وكرة فرح بحجم الشمس..
أسماء وعناوين كثيرة تورق كريحانة في البال تنسيني وجع هذا العالم الموبوء، وأعداد الإصابات المتزايدة لوباء سرق منا سكاكر فرح عابر، وغفوة أمان كنا بأمس الحاجة إليها بعد خروجنا من حرب دامت سنوات طويلة..
لا شيء يطفئ غربة الروح ووجعها رغم كل هذا الضجيج أكثر من تصفح كتاب يجعل الحروف تتناثر فوق صدر الورق حبات من اللؤلؤ، وربما هناك عند التخوم المضيئة للذاكرة يورق الزمن من جديد ويصير للغة بوح آخر وألوان طيف هي أقرب للنجوى..
أقترب أكثر، وأشعر أني أقرأ لغز عشتار للمرة الأولى، وأن رواية (الشمس في يوم غائم) للأديب حنا مينة تعنينا جميعاً حين تحدث عن الأمل، وأن وليم فوكنر حين بدأ روايته الشهيرة (وأنا أحتضر) بعبارة بسيطة مثل (وفرت البيض وصنعت العجة) كان يشبهنا تماماً في فقره وكأنه يواجه للتو قانون قيصر الإرهابي، وأن ماركيز كان يتنبأ بما سيحدث للبشرية حين كتب رائعته (الحب في زمن الكوليرا) ولم يكن يتحدث عن الماضي فحسب!
من بين تلك الكتب أيضاً يطالعني غلاف جميل يظهر فيه اللون الأخضر هادئاً كالحلم لأتذكر المجموعة القصصية (توت الشام) للكاتب محمد منصور والتي اقتنيتها أثناء زيارتي لمعرض الكتاب في مهرجان (الملاجة)الأدبي في مدينة طرطوس الساحرة منذ سنوات طويلة، وكم كنت سعيدة حين قرأت المجموعة في طريق العودة الى اللاذقية، وبالفعل لاتزال كلماتها تعزف على أوتار الحنين ومنها أقتطف: أقترب من شجرة التوت الشامي، حلم الطفولة المشتهى، فيتراءى لي طيف تلك العجوز ينهرني برفق وحنو، أهيّئ يدي للأرجوان الذي سيلون الأصابع ويدمي الشفتين، أهيّئ ثيابي النظيفة لكي تتمرغ حاملة آثار الغواية والإثم.
أمد يدي.. فيبدأ ورق التوت بالتساقط، أرجوه باسم صداقتنا القديمة يكف عن هذا المزاج الخريفي، لكنه لا يستجيب، أرجوه باسم ظمأي وجوعي أن يتريث قليلاً فتزداد أغصانه جنوناً ورعشة، أبحث عن حبة توت واحدة، أهزها، أمطرها نقوداً، أستصرخ ماءها وترابها ولا من مجيب!

منى كامل الأطرش


طباعة   البريد الإلكتروني