مناهل صياغة العمل الفني تعددت المشارب لتشكل الأرضية ونقطة الانطلاق

العدد: 9557

الأربعاء: 25 آذار 2020


العمل الفني التشكيلي أو النحتي تحكمه وتسيطر عليه جملة من المعايير الحسية (تلقائية، بنائية، لونية، تعتيقية)، والحس الإنساني هو أكثر هذه العناصر امتزاجاً بشخصية الفنان وتكوينه الإنساني، وهو المحرض لولادة العمل الفني انطلاقاً من مؤثرات محيطية، فالفن لغة جمالية حسية ملموسة تترجمها وتبلورها ممارسات الفنان وتأثره بالبيئة، وما حوله من معالم أثرية ومفردات تراثية وأسطورية، كل هذه العناصر مجتمعة تشكل الأرضية والدعامة التي ينطلق منها الفنان لولادة وتأسيس عمله الفني.
حول هذا الموضوع كانت لـ (الوحدة) عدّة لقاءات مع تشكيليين ونحاتين تحدثوا عن تجربتهم وقناعتهم ورؤيتهم الفنية من هذا المنظور..
* الدكتورة التشكيلية نجوى أحمد: إن العناصر التراثية والبيئية مهمة جداً في العمل التشكيلي لأنها بمثابة الهوية لكل عمل ومفهوم الهوية أصبح مهماً أكثر من أي وقت مضى بسبب الظروف السياسية العصيبة التي تمر بها المنطقة، ووجود مثل هذه العناصر يؤكد على الخصوصية المحلية، وعلى أهمية مخزوننا الثقافي المحلي، ومدى ارتباطنا به وبالأرض التي نعيش عليها، ففي بداية القرن العشرين دخل إلى بلادنا مفهوم اللوحة المسندية ذات الأبعاد المحدودة، والتي تتمتع بإمكانية تداولها وتنقيلها وتعليقها على الحائط، وكان مفهوماً جديداً علينا وقد حاول بعض الفنانين المحليين تقليده إلى أن كان جيل الرواد من أمثال توفيق طارق وميشيل كرشة وسعاد تحسين وغيرهم، وقد أحسوا بضرورة إضفاء الطابع المحلي على أعمالهم لتميزهم عن تجارب الغرب، ولتجعل عملهم الفني التشكيلي مرتبطاً بالواقع برباط المؤثر والمتأثر حينها تقوم الحركة التشكيلية بأداء رسالتها الحقيقية تجاه المجتمع والإنسان، ولابدّ في هذه الحالة من صنع توليفة موفقة بين التراث والمعاصرة، وذلك من خلال استخدام الفنان العربي والمحلّي للعناصر التراثية والبيئية المحلية، والتي تدخل ضمن التصنيفات التالية: الخط العربي، الزخرفة الإسلامية، اللباس، الفلكلور، الرموز، الأساطير والسير الشعبية، الحياة اليومية وأنماط المعيشة، المهن اليدوية، الموضوعات العربية القصصية والبطولات، الوشم، الموروث الشعبي ورسم الأحياء القديمة.
* التشكيلي: محمد أسعد سموقان: أرى أن أي عمل فني لا ينطلق من فراغ، إنما له خصوصية تجربة الفنان الذاتية ومن أجل أن نقول إنه أصيل يجب أن تكون مفرداته من البيئة التي يعيش فيها الفنان ليصبح أكثر أصالة، وشرقنا غني بمفردات ورموز الجمال والحب، فالعمل الفني الأصيل هو الذي يجيد استلهام مفردات البيئة التي نما فيها، من جهة أخرى هناك حضور كبير للمفردة التراثية في لوحاتي، فقد اشتغلت على حضارة أوغاريت وأساطيرها وجلجامش، ثم أساطير بلاد الرافدين، وكل هذا في الثمانينات من القرن الماضي، حتى عناوين المعارض كانت تحمل ذات المدلول، أنا فنان سوري ولو حتى كذلك ومن يدرس المفردة أو العنصر التراثي في العمل التشكيلي يطبعه بطابع الأصالة، الأعمال المهمة في العالم يمكن أن يقرأ فيها المرء بصورة غير مباشرة بصحة البيئة والمكان الذي يوثق، ويمكن أن تكون الأمكنة خلفيات لأعمال تشكيلية بحتة لكن الذي يفيد التشكيلي بطريقة مباشرة اللقى الأثرية والأساطير والحكايات المنقوشة عليها، فدراسة هذه اللقى ومحاولة التعرف عليها من أجل وضع خصائص لفنون الشعوب التي يمكن أن تشكل مخزوناً حفظياً للفنان، فالتشكيلي الذي يواجه لوحته من الفراغ بحث في بيئة عاش فيها، وطبيعي أن يظهر المكان الأسطوري والأدبي والبيئي في عمله التشكيلي.
× التشكيلي جورج شمعون: يقول رسول حمزاتوف العالمية تبدأ من عتبة بيتي، ولما كانت سورية مهد الحضارات القديمة مثلما قال عنها مالرو، فمعالمها الأثرية أنقى الينابيع التي تخصّب الفكر الإبداعي، وتجعل منه منارة لأوقيانوس المعرفة، ولما قدمت في إحدى لوحاتي الباب الأثري لمدينة الرقة هذه الآبدة منذ عهد الخليفة هارون الرشيد، ربطت هذا الباب بالعين لأن الباب بالنسبة للمدينة مثل العين بالنسبة للنفس.
* التشكيلية ليلى طه: الفنان ابن البيئة التي يعيش فيها فهو يتأثر بها ويعبر من خلال الموروث الثقافي والشعبي عن الرؤى والأحلام وبيئتنا السورية غنية فيها مادة خصبة تستحق أن نقف عندها ونمنحها قيمة عبر الفن أو عبر لغتنا البصرية، لذلك أعتمد عليها وعبّرت من خلال مفرداتها وضمنتها من المعاني والرموز والأفكار الإنسانية والجمالية الشيء الكثير موحية بدلالاتها المختلفة وبلغة تشكيلية تعكس روح الأصالة العربية حيث تلعب البيئة دوراً هاماً في صياغة ذوق الفنان جمالياً إذ تجعله ينفرد بخصوصية ومعايير محدودة، وهنا نؤكد على أن البيئة بكل مستوياتها تسهم في صقل ذوق الفنان، وتفتح له أبواب البحث عن مفاهيم جمالية جديدة ،وتكون شاهدة على الزمان والمكان ويستمد الفنان عناصر مفرداته منها في تجربتي تناولت الموروث الشعبي ومفردات البيت العربي والأشغال الزخرفية والعناصر المعمارية الدرابزونات، الشبابيك، حبال الغسيل، أحواض الورد والزرع والأصص في أعمالي والأحواض هذه المفردة كانت الوسيلة لزيادة الترابط والعلاقة مع البيت العربي وهي رمز الاحتواء والخصوصية والحياة والحيوية عند وجودها وتوضعها على الشرفات أيضاً تعبر عن لمّة الأهالي حيث تكشف عن روحانية المكان ويستنهض العوالم اللونية المشحونة بالانفعالات والحيوية والحميمية والتعاطف مع رموز وإشارات الزمن الجميل كما جعلت من الأصيص عنصراً تشكيلياً ورمزاً لزرع الأحلام والآمال على مساحة اللوحة ومن هنا تمكن تجربة الفنان في خلق البنية التشكيلية التي تظهر روحانية المعالم الداخلية في استعادة الحكايات المستنبطة من الذاكرة المستمدة من البيئة المعاشة.
* النحات حسن محمد: للبيئة دور كبير في أعمال الفنان التشكيلية أو النحتية وأنا تأثرت بالبيئة المحيطة حولي ،حيث كانت بداياتي الفنية مع البحر منذ الطفولة المبكرة ومع الحصى الملونة بألوان البحر والموج والشاطئ وبأشكال مختلفة كانت تستوقفني بعض هذه الحصى لأجمعها في حقيبة ذاكرتي، ومن ثم استخدمت الحجر البحري الخفيف الذي يشبه بتكوينه الحجر الرملي لكنه خفيف الوزن ويمكن نحته بسهولة ومنه كانت بعض الأعمال المستقاة من التاريخ الفرعوني والآشوري وأركز كثيراً في أعمالي الفنية على طائر الفينيق وعلى الحضارة الفينيقية بمدلولاتها الكثيرة والتي ازدهرت على شواطئ بلادنا، أعمالي النحتية تحمل الكثير من المفردات الأسطورية والتراثية ،فهذه العناصر لها دور كبير ومهم جداً في صياغة العمل النحتي واستمراريته وغناه.
* النحات محمد سمير: تعددت وتنوعت المفردات الأسطورية عبر التاريخ هذه المفردات الأسطورية قد يرفضها العقل العلمي لكنها بالنسبة للفنان مادة ومصدر روحي وإلهام حيث يجد فيها إطلالة على الماضي واستشراقاً للمستقبل، إن الخيال سمة الفنان الذي يتناول هذه المفردات فيصوغها ويسقطها على الواقع المعاصر حتى أنه لا يمكننا البحث بها بمعزل عن الواقع فصراع الإنسان مع الطبيعة وانتصاره عليها وصراعه مع قوى الشر وانتصاره عليها هناك البطولات، الحب، الفرح، الحزن، الخير، الشر، الموت، الحياة هذه المفردات يستخدمها الفنان في أعماله حيث يظهر تأثيرها من خلال الأعمال النحتية لما لها من خصوصية تشكيلية وأنا أعمالي النحتية أستقيها من الإنسان والطبيعة وما ينتج من علاقات مترابطة ومواضيع شتى (بيئة، تراث، آثار .. الخ) الإنسان بشكل أساسي من خلال علاقته بالطبيعة لأنه جزء منها يتفاعل معها ويتصارع معها، هذا الصراع أزلي وجدلي الإنسان والعادات والحياة والتجديد هذا ما جعلني مرتبط بهذه العلاقة لما لها من أهداف إنسانية.
* النحات علاء محمد: البيئة التي عشت في كنفها بجمالها وتقلباتها (بحرها، جبلها، خضارها) مع ما أحس به مضافاً إليها المستوى الثقافي والبصري والفكري، والبحث الدائم المستمر عن العلاقة أو الرابط الذي يوّلد الهاجس لديّ، فكل هذه العناصر مجتمعة تشارك في صياغة العمل النحتي وتعطيه المقومات الصحيحة للجمال والمعنى وأنا أنهل من البيئة التي أعيش فيها ومن الأساطير الشرقية والهوية التراثية التي أعيش معها جمال الصدق بالتعبير عن اختلاجاتها وهذا بدوره سيخلق الانسجام مع فكرة العمل من جهة ومع روح العمل الفني من جهة أخرى.

 رفيدة يونس أحمد


طباعة   البريد الإلكتروني