بين الشـط والجبل .. غياب

العدد: 9556
الثلاثاء : 24 آذار 2020

 

 

قبل رحيلها بأسبوعين زرت والدتي، تملّيت وجهها وقد رسمت السنوات على صفحته أخاديد ، نظرت برويّة إلى عينيها وقد أضحتا حفرتين واسعتين، فأدركت أن أمي بدأت تستعد لغيابها الأبدي، وبدأت أعزّي نفسي أيضاً لأن ما شاب أمي بدأت تظهر ملامحه على قسمات وجهي، وأن الزمن ماض وأن وجهته الوحيدة هي الغياب.
***
حملني الليل بعيداً، ذكرني مشيبي، وكيف أن الإنسان حين يهرم أو يسقطه المرض، حينها فقط يدرك أنه آن أوان الافتراق، لذا رأيتني أغمض عينيّ، وأستعيد شباباً مضى، أردته ماثلاً أمامي بكل حيويته التي كان يحياها.
***
وقفت على عدْوة الوادي، ورأيت كيف كانت تمشي الحقول في اخضرارها، وكيف راحت التلال تنحني باسطة أذرعها، وكيف راح يعشب المساء، فأشعلت الذكريات أصابعها فوق نوافير من حي\بق وجلنار، ورحت أسأل: كم من الحنين يجب أن نعاني حتى نعرف كيف نصغي إلى زقزقة العصافير.
***
متدثراً بالحلم، ومملوءاً بجداول من طيّون وزعتر بلدي، ومترعاً نجواي من رحيق وحب وضياء، أحسست أن في داخلي طيراً يود امتطاء السهوب، وقد يحطّ على صفصافة مستحية، أو ربما يسقط على نخلة مشاكسة، فيشتعل فيّ الكلام، وتفيض القصيدة بسحرها.
***
إنه قلبي، ولطالما تعمّد باللهب، فارتدى جلباباً من وجع الهديل، وكم راح في بعض أيامه ينفتل انفتال السكارى، ويخرج من جفون الليل ضوءاً يساكن حسنُه سحرَ الضياء.
وقتئذ راحت الأغاني تصبّ حنينها، وتتلوى أشجار البرتقال مسحورة بعذوبة الندى فتأتلق العيون، تقرع أجراسها الجفون.
***
وقفت على شطّ المتوسط، أكثرت من تنهداتي، وإما سألني الموج عما يقلقني، وفيمَ إذا كان قادراً على تقديم أي عون، نظرت في عينيه مطولاً وقلت: تصوّر، يا أيها الواسع والكبير، كلّ المراكب الغائبة عادت بما يأمل منتظروها، وأظل وحيداً، أرقب سفينتي التي لم تأتِ ولو كسراب.

سيف الدين راعي


طباعة   البريد الإلكتروني