وقـال البحــــــر....إبداء الرأي يُفسد الود

العدد : 9553
الأربعاء : 18 آذار 2020

 

هل يستطيع المرء إخبار مديره بأنه أخطأ؟ أو أن يُصارح قريبه بأنه تجاوز حدوده؟ أو أن يقول لصديقه بأن حديثه فارغ المضمون وبلا معنى؟ وهل يستطيع أي فرد القيام بمجرد إبداء رأيه مجاهرة أمام جميع من في نطاق محيطه؟ هذه الأمثلة غيض من فيض لتبين بأن الاختلاف في الرأي يؤدي عموماً إلى إفساد كل ود وتواصل وقد لا يُبقي ذلك للإنسان أي أصدقاء إن لم يدمر حياة ونفسية صاحب الرأي المخالف.
في واقع الأمر ورغم البوارق المضيئة القليلة فما من أحد إلا ويواجه معضلة من هذا النوع فبات حتى الصغار يواربون خشية العقاب والتعنيف، فكيف يمكن للمرء إبداء رأيه بشكل حقيقي وصريح في أخطاء التشخيص على اختلاف مجالاته وحتى أساليب وطرق العلاج المتنوع دون أن يُوغر في صدر الطرف الآخر ويخسره كصديق أو قريب وحتى لا يتم اختلاق عدو لدود له من العدم في حال الاعتذار عن إبداء الرأي أو الإدلاء بكلام لا يُطرب آذان السائل.
كثيراً ما يصعب إبداء الرأي الصريح في حق من هو ذو شأن لأن المرء لا يدري كيف تكون عاقبة الأمور كأن يصبح هو المخطئ وحتى المسيء والطرف الآخر هو الأدرى بالصالح العام، ولما كانت غالبية الآراء لا تنفع كثيراً هذه الأيام في هذا المجتمع الذي لا يحترم رأياً ولم يعتد حرية الرأي في سواده الأعظم فقد كان من الأنسب الأخذ والاقتداء بكثير من حكم وأمثال القدماء السائدة قديماً وحديثاً كمقولة: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وذلك بغية التخلص من مرض الكذب السقيم وآفة المجاملات المقيتة للسير في الخطوات الأولى على الطريق القويم.
عندما يكذب المرء في إبداء رأيه يكون ذلك بلسانه فقط حيث يقول عكس ما يختزنه قلبه من المعلومات الحقيقية والصادقة وكون أن اللسان يتحرك بأمر من منطقة الناصية في أعلى مقدمة الدماغ وبما أن هناك بعض من الترددات الصوتية التي تؤثر في عمل القلب وراحته واستقراره فيبقى وصف القلب عندها مستودعاً للمعلومات وشريطاً للأحداث ومتسماً بصفات القسوة واللين وعامراً بأرقى أساليب التواصل ومثبتاً لأُسس العلم والتعلم وموجهاً للدماغ في حسن أداء مهامه وترتيب أفكاره ونسج آرائه وإظهار صفاته.
في هذا السياق تبرز قيمة وأهمية الصديق الصدوق في هذه الحياة والذي يستطيع أن يُحدث صديقه بحرية وعفوية وبدون أدنى تكلف أومُراءاة من أجل مصلحته فقط فلا يُجامله ولا يُداهنه ولا يقلب له الحق ويُزين له الباطل، كما أنه يعتذر إليه حتى من تلك الزلة التي لم يقترفها لا لشيء سوى لأنه يحبه وهناك من يُخطئ ويُحمل الآخر وزر الخطأ الذي اقترفته يداه، وفي المحصلة كل أبناء آدم خطاؤون ورحم الله من هدى إلينا عيوبنا فلولاه سنبالغ في تعنتنا ظناً منا أننا الأفضل والأمثل والأصوب، ولن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام في كل دروب حياتنا لنرى فيها الحاضر وردي والمستقبل أكثر تورداً.

د. بشار عيسى


طباعة   البريد الإلكتروني