اللاذقية تاريخ وحكاية لا ينتهيان

العدد: 9532

الثلاثاء:18-2-2020

 

اللاذقية هذه المدينة العريقة بتاريخها وشواهدها كانت قرية صغيرة تتوضع جنوب الميناء الحالي تابعة لمملكة أوغاريت يسكنها مزارعون وصياديو الأسماك وهذا ما تذكره النصوص القديمة باسم (راميتا)، للمزيد أكثر عن تاريخ اللاذقية التقت الوحدة الباحث الدكتور جمال حيدر الذي استفاض بالحديث عن مدينة اللاذقية وتاريخها:

العصور الكلاسيكية: تؤكد الوثائق في هذه العصور أن أحد قواد الاسكندر واسمه سلوقس قام ببناء المدينة نهاية القرن الرابع قبل الميلاد وأطلق عليها اسم والدته (لاواديكيا) خلال تلك العصور كانت اللاذقية مدينة واسعة فيها شوارع مستقيمة ومتعالية مرصوفة بالحجارة وفيها الأروقة والساحات العامة والملاعب والقصور والحمامات والمعابد والمرافئ وعن آثار هذه المرحلة فقد اختفت تحت السوية الإسلامية ولم يبقَ منها شاخصاً سوى القوس الكبير وأعمدة باخوس - والأعمدة البازلتية وشمال اللاذقية بقايا القلعة الهلنستية ومدفن القبان.


أما في القرن السابع الميلادي (637م) فقد دخلت جيوش الإسلام اللاذقية بقيادة (عبادة بن الصامت الأنصاري) وقد تناوب في حكمها خلال هذه الفترة وحتى القرن العشرين (الفرنجة والممالك والعثمانيون) ولا تزال بعض هذه الآثار الإسلامية شاخصة حتى يومنا هذا رغم حركة العمران المتطورة التي تشهدها المدينة.
وإن هذه الحقب والعصور التاريخية المتعاقبة على اللاذقية تركت شواهد أثرية هامة هي:
* أوغاريت: تقع على بعد 10 كم شمال اللاذقية وقد اكتشفت مصادفة عام 1928 وهي تعود للألف السابعة قبل الميلاد وفي ذلك الوقت كانت أوغاريت قرية صغيرة عرف سكانها الزراعة وتدجين الحيوان وصناعة الفخار وقد شهدت ازدهاراً كبيراً بين عامي (1600-1200) قبل الميلاد حيث كانت مملكة كبيرة يدور في فلكها عشرات المدن الصغيرة والقرى وقد تطابقت حدودها مع حدود محافظة اللاذقية اليوم.
وأهم مكتشفات الموقع هي القصر الملكي والقصر الشمالي والمعابد والمدافن والأحياء السكنية والشعبية ومنازل لوجهاء المدينة وأروع الاكتشافات هي الأبجدية الأوغاريتية المؤلفة من ثلاثين حرفاً على رقيم صغير بحجم إصبع اليد والتي انتقلت إلى اليونان عن طريق البحارة الأوغاريتيين الفينيقيين والتي عمومها على العالم أجمع وأيضاً اكتشفت فيها خمسة آلاف رقيم طيني مكتوبة بعدة لغات أهمها:
الأكادية والأوغاريتية التي تحكي مضامينها قصة المدينة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والميثولوجية الدينية وقد قضت أوغاريت عام 1180 ق. م على يد شعوب البحر التي ألحقت بها الخراب والدمار وغيبتها تحت الركام أكثر من ثلاثة آلاف عام لتعود وتظهر من جديد عام 1928 على وقع معاول المنقبين عن الآثار.
* ابن هاني: هذا الموقع الجميل على بعد 8 كم قرب فندق لاميرا أيضاً اكتشف مصادفة عام 1975، عملت به بعثة سورية فرنسية مشتركة وهو عبارة عن مدينة ملكية ارستقراطية شيدت من قبل أحد ملوك أوغاريت وهو عمشتمر والذي حكم أوغاريت بين عامي (1260-1230) ق. م، اكتشافات هذا الموقع قصران شمالي وجنوبي.
القصر الشمالي كان محور اهتمام البعثة ومخططه مماثل للقصر الجنوبي وفيه شواهد أثرية هامة تدل على النشاط الذي كان يشهده الموقع منها مئتي رقيم طيني باللغتين الأكادية والأوغاريتية فيها نصوص تحكي عن حياة المدينة بكافة نواحيها لكن أروع ما تحقق فيه كان مفاجئاً للتاريخ الاقتصادي في سورية وشرق المتوسط وهو اكتشاف منشأة صناعية (قالب صب السبائك المعدنية) وهو عبارة عن قاعدة حجرية له أبعاد نظامية منحوت على شكل جلد الثور وهي مخصصة لصب السبائك تستخدم للتبادل التجاري مع دول حوض المتوسط خلال القرنين الرابع والثالث عشر ق.م وقد واجه الموقع الدمار على يد شعوب البحر عام (1180) ق. م.
* قلعة صلاح الدين: هذه القلعة التي تبعد مسافة (35) كم شرق اللاذقية هي على رأس صخري مثلث ارتفاعه 500 م على سطح البحر محاط بوديان عميقة ما عدا الجهة الشرقية التي حفرت كحدود اصطناعية بطول (150) م وعرض (20) م وارتفاع ما بين 30-40م تتوسطها المسلة الحجرية بارتفاع 30 م تقريباً والتي كانت القلعة بواسطتها ترتبط بجسر خشبي يؤمن الدخول والخروج منها حيث ينصب زمن السلم ويرفع عند الحرب تبلغ مساحتها 5 هكتارات يعود تاريخها إلى القرن العاشر الميلادي شهدت ثلاث حقب زمنية هي البيزنطية والفرنجية وأخيراً العصر العربي الإسلامي.


تشهد القلعة أعمال ترميم كل عام لصيانة النسيج المعماري وقد وضع اسم القلعة على لائحة التراث العالمي لدى اليونسكو كواحدة من أهم المواقع التراثية في العالم.
* قلعة المهالبة: تقع على بعد 40 كم شرق اللاذقية على قمة جبل يعود تاريخ القلعة حسب الوثائق إلى بداية القرن الحادي عشر الميلادي وتعريفها في معجم البلدان (أنها حصن منيع على سواحل الشام).
وقد أطلق عليها الرحالة والجغرافيون والمؤرخون العرب اسم (حصن بلاطنس) ويعتقد أنها شيدت من قبل وجهاء محليين لحقت بها أضرار كبيرة جراء استخدام مقالع للحجارة وهي تشهد أعمال ترميم في الأبراج والأسوار والمستودعات والأسطحة كل عام تهدف هذه الأعمال إلى صيانة النسيج المعماري للقلعة وإظهارها مع أعمال تقوية وعزل وصيانة في أنحاء متفرقة من القلعة.
* مسرح جبلة: هذا الموقع الجميل يتوسط مدينة جبلة مجاوراً للمدينة القديمة من الجهة الشرقية وهو من أهم المسارح في العالم وثاني أهم مسرح في سورية بعد مسرح بصرى عملت فيه البعثة الأثرية منذ الخمسينيات وهي بعثة وطنية وتم مؤخراً تشكيل بعثة أثرية (سورية بلجيكية) مشتركة للعمل فيه. يشكل هذا المسرح اتحاداً معمارياً مع محيطه ويعود تاريخه للفترة الرومانية القرن الثاني الميلادي وهو مشاد على أرض مستوية على شكل نصف دائرة بقطر (90) م تحمل عقوده 35 صنفاً من المقاعد يتسع لثمانية آلاف متفرج تتصدر المنصة الجهة الشرقية منه.
* القوس الكبير: يقع هذا البناء الضخم إلى الشرق من مركز المدينة عند المنحدر الغربي لهضبة الطابيات شيده أواخر القرن الثاني الميلادي الإمبراطور الروماني سبتيموس.
سفيروس وهو بناء مربع الشكل شيد بالحجر الرملي القطع على أربعة دعائم حجرية سطحه على شكل قبة نصف كروية تحمل الوجوه الداخلية والخارجية للبناء من الأعلى منحوتات نافرة لشارات النصر (سيوف - خوذ - رماح - دروع) ارتفاعه /16م/ قاعدته مربعة الشكل أبعادها 12×12 م .
* أعمدة باخوس: هذه الأعمدة تقع شرق مركز اللاذقية عند المنحدر الغربي للطابيات وهي عبارة عن بقايا من مبعد الإله باخوس (إله الخمر والمجون عند الرومان وهو نفسه ديونسيوس عند اليونان) يتألف البناء من قواعد حجرية تنتصب فوقها الأعمدة الكلسية ومن ثم التيجان والسقوف.


* مدفن القبان: هذا الموقع على بعد 10 كم شمال مركز المدينة مجاوراً لفندق الشاطئ الأزرق غرباً يعود تاريخه إلى الفترة الهلنستية بالقرن الأول قبل الميلاد سمي بهذا الاسم لأنه يقع في المنطقة التي كانت تزان بها مادة الملح طول البناء 14م عرضه 11م ارتفاعه 4م.
* جامع السلطان: يقع وسط مدينة جبلة مجاوراً المسرح من الجهة الشمالية شيد الجامع على اسم السلطان إبراهيم ابن الأدهم الذي عاش زاهداً في القرن الثامن الميلادي وهو بناء ضخم شيد بالحجر النحيت القطع يتم تصميمه بطابع العمارة العربية المملوكية تذكرنا بمساجد القاهرة (الأضرحة المساجدية) تؤرخ لوحة موجودة على الجامع للعام 1024 م يتكون البناء من حرم للصلاة مؤلف من ثلاثة إيوانات تعلوه سبع قباب حجرية محمولة على عقود وأكتاف داعمة في الإيوان الجنوبي المحراب وعلى اليمين منبر رخامي يتبع له حمام يطلق عليه اسم حمام السلطان إبراهيم.
* خان الدخان: يتوسط الجهة الغربية من المدينة قرب باب المرفأ التجاري مجاوراً حديقة المنشية يعود تاريخ البناء إلى نهاية القرن السابع عشر حسب مخطوط المؤرخ الياس صالح (تاريخ الحقب في لاذقية العرب) مساحته (2750) م2 مؤلف من طابقين أرضي استخدم خان أي فندق والأول مسكن .
الطابق الأرضي يتوسطه فناء مكشوف تحيط به من كل الجهات أروقة محمولة على دعائم حجرية الرواق الجنوبي تتصدره 6 قاعات على صف واحد سقوفها عقود متصالبة وأقبية سريرية واسطوانية أما الطابق العلوي شيد عام 1904 وهو مؤلف من صالة تتوزع حولها الغرف ثم مستودعات لحفظ البضائع اشتراه أحد الوجهاء يدعى إبراهيم نصري منزلاً له وإثر الاحتلال الفرنسي اشتراه المندوب الثاني الفرنسي واستخدمه مقراً للمندوبية وبعد الاستقلال اشتراه مجلس المدينة ومن ثم نقل ملكيات وزارة الثقافة ليكون متحفاً وطنياً للمدينة.

أميرة منصور


طباعة   البريد الإلكتروني