للروائـــــح والألـــــوان لغتهمــــــا أيضـــــــاً..

العـــــدد 9433

الأربعـــــــاء 25 أيلــــول 2019

 


قيل (من خالط الفحام نال سواده ومن خالط الطياب فاح بطيبه) أما الورود تلك التي حروفها الشذى والندى فكثيراً ما تسعفنا بلغتها فتستعبر شفاهها كلما عجزت شفاهنا عن إيفاء حاجتنا.
فليست اللغة هي فقط تلك التي ننطقها بل أفصح اللغات هي التي تنطق ذاتها بمعزل عنّا، وتترجم معانيها بعيداً عن قواميسنا كالورود التي كثيراً ما يكون عبيرها رسولنا المثقل بما حملته الصدور، فنقدمها في أفراحنا ونضعها فوق قبور موتانا ونواسي بها مرضانا ونغازل بها أحبتنا ونلطف بها أجواء بيوتنا وحدائقنا أما عن ألوانها فهي معان تبوح بمرادنا من دون كلام أو أقلام وتفتح قلوبنا من دون أبواب وإذا كان الأحمر دليل الحب والرغبة فهل الأبيض لغير الصداقة والمودة والصفاء والبنفسجي للتأمل والزهري للإعجاب والتقدير، وللفصول أيضاً لغتها، يبث الخريف كآبته من خلف عينيه الضبابيتين بغموضهما فنتفهم حزنه وهو يودع أوراقه وزهوره في حفلة الريح العاتية، ويصب الشتاء كل ما احتوته جزره بسخاء وعطاء، فنفسح له المجال وننزوي في أركاننا الدافئة ننتظر أن يفرغ من مهرجان انسكابه، ويزهو الربيع بخصبه وشبابه ونشوة عمره القصير فنخرج إليه لنقتنص نظرة من عيونه الفاتنة وينفتح الصيف على مصراعيه بطرحته الواضحة حتى الحريق فنبادله وضوحاً بوضوح وانفتاحاً بانفتاح.
للطبيعة أيضاً لغتها فالغابة هدوء ووحشة والبحر ثورة ومجهول ورحيل والنهر تجدد وتغيير والسماء لامتناه ولا محدود والصحراء تيه وسراب والجبل شموخ وارتفاع وامتناع.
وللحيوانات لغتها فالأسد قوة وبطش، والثعلب مكر ودهاء، والأرنب جبن وهروب، والكلب وفاء، والبوم نحس واكتئاب، والقط دفء وألفة، والغزال رشاقة وجمال، والحصان جموح، والحمار احتمال، والجمل صبر، والصقر عزة، والحمام رقة ووداعة، والنحل نظام وانتظام، والنمل مثابرة واجتهاد، لكل كائن مهما كان صغيراً أو ضئيلاً لغته ينطقها بطريقته ويوصلها بأسلوبه.
قد نغتر بقدرتنا على النطق بين الكائنات وننسى في خضم غرورنا أن لغة الإنسان النابتة من صوته ليست أثقل اللغات ثماراً ولا أكثرها صدقاً أو فصاحة وإن كانت ضجيجاً وثرثرة، ولكن ليست اللغة هي فقط تلك التي ننطقها.

لمي معروف

 


طباعة   البريد الإلكتروني