مفارقـــــات

العدد: 9422

الثلاثاء:10-9-2019

 

بعد أن قامت ورشات العمل لأيام متتالية بمدّ الإسفلت الأسود اللامع الجديد فوق طرقات مهترئة، ذهب لونها وشكلها وامتلأت بالحفر والأخاديد، وقد تحقق بعض من حلم في الحي المنسي من إسفلت وأرصفة، أو هكذا كان يظن سكانه، تحقق الحلم الأول، لكن دارت أحاديث عن إسفلت جديد رقيق لن يقف في وجه الأمطار الغزيرة التي يشهدها شتاء محافظة طرطوس، أو هكذا وضعت التوقعات.
وبين ليلة وضحاها، و يا فرحة لم تتم، تزيّن الشارع الأسود اللامع النظيف لسويعات قليلة بالأوراق المتناثرة، والأوساخ، وأكياس القمامة المبعثرة في كل الأمكنة، وبورشات بناء تجبل موادها أمام البيوت وكأن الشارع أملاك خاصة، وتكاثرت القمامة اليومية كعادتها تكاثر البعوض والذباب مثل حكاية خيالية، إذ لا تكاد تمر سيارة جمع القمامة التي تحمل الأكياس المغلقة، وتترك المبعثرة منها، وترحل، حتى تتجمع من جديد الأكياس أو تتبعثر الأشياء في كل مكان وأمام كل بيت.
تلك العجوز التي تهتم بنظافة بيتها، والشارع أمامه، تعمل كعامل النظافة، تكنس الشارع المقابل، وتجمع القمامة وتضعها في كيس تركنه بجانب بيتها ريثما تمر سيارة جمع القمامة، وهي نفسها استيقظت باكراً قبل موعد قدوم ورشات مدّ الإسفلت الجديد لتنظف بدقة أمام بيتها ما أمكن قبل أن يوضع الإسفلت الجديد، وتقول بفرح: يجب أن يفرش الإسفلت على أرض نظيفة خالية من الأوساخ، وتضحك وكأنها في احتفال . .
في جهة مقابلة يجلس شباب على الرصيف أمام محلهم، ولا يتركون لعابر سبيل موطئ قدم، الرصيف لهم وهم أصحابه، وحين تنتهي جلستهم الصباحية، أو المسائية، وفي كل الأوقات يرمون ما جمعوا من أعقاب سجائرهم، وبقايا متة امتصوها حتى الرمق الأخير ينشرونها على الإسفلت الجديد أو القديم، لا تهمهم الأشياء السخيفة هذه! يهمهم أن يكون محلهم ملمعاً مضيئاً، والرصيف الذي يحتلونه بطاولة، وعدة كراسي لزوم اللمة..
مفارقات مؤلمة، لا تقف عائقاً في وجه رجل النظافة الذي لا يملّ من جمع أوساخ أهل الحي المنتشرة في كل مكان، يجمع ما أمكنه بنشاط، ويترك ما يعجز عنه حتى يوم آخر فهو الوحيد المسؤول عن عمله في الحي الكبير، وقد أيقن أن لا حياة لمن تنادي، ولا أمل في وضع أفضل حتى لو فرشت الطرقات بالحرير . .

سعاد سليمان 


طباعة   البريد الإلكتروني