بين الشط والجبل ... في غَفْلةٍ عابرةٍ

العــــــــــــــدد 9291

الأربعاء 13 شباط 2019



(1)
-تمدَّدتُ على وجعي، وساقني الخوفُ إلى غشاوة ذعرٍ، عَبرْتُ مملكةَ الليل، وعمَّدْتُ الليل، وعمَّدتُ جرحي بدمي وأخذ القلقُ يسرق زَهْرَ نعاسي، ورماني في ردهات الضباب..
جاءني الفجر مبتلاً، وغيمة الضحى راحت تتدحرج نحو هاجرتها، وما بين صمْتي وأغنيتي، اخترتُ هَمْسي أقلّبه تمتماتٍ على شفةٍ حائرة..
(2)
-بدَّلْتُ تفاصيل نداءاتي، وألقيتُ بروحي إلى الدخان، خفق قلبي خفقةً خرساءَ، وتبتَّلْتُ بما أحفظه من الآيات والسور، ودعوتهنّ أن يحرسْنَ قلبي يهدج على ثغر الحلم . . .
(3)
-ألقيْتُ بتحيّتي إلى مغيب النهار، فأنهضتني غيومُ العين من غفلتي، وقالت مغاضبةً: انظرْ إلى هذا الكاملِ في ذاته كيف راح يعصر عناقيد نوره ويرسلها خيوطاً نلامس شغاف قلوب عشَّاق يمضون ليلهم ما بين تنهيدةِ صدرِ، وقبلة ثغر..
(4)
-ثمة قول قيل قديماً: أتشبَّثُ بكلِّ جميلٍ كي لا أعرف في اليأس، والجمال لفظةً مجازية. فما تراه أنت جميلاً يراه غيرك قبيحاً . . والعكس صحيح.
وكلُّ ما أعرفه أن الجمال نوعان: جمال يشعرك بالذنب والآخر يحررك منه..
لذا وفي غمزة حزني طويْتُ شراعي. واجتاحني ندمْ ما... ندمٌ أودعْتُ خيوطه في وجهها وقلت له:
كفاك افتراش الدروب طيوفاً ذبلتْ كلَّها تحت وهج الرجاء.
فرمى إليّ بهدية وراح يوزعني على صليب الخطايا، فتح من حولي أفاعي الضلالة، وألقى بي إلى فجوة مخلّصة الأطراف، تسكنني وحشتي، وتلْبسني خشونة المضجع، وتعجز عن دفع الأذى يداي.
(5)
- ينبو مضجعي، وتَنْفلت أصواتي من عقالها وأصرخ أصرخ: يا أيّها المتوَّرم شوقاً كفى (إنَّ الذي يمحو ماضيكَ يمحو مستقبلك) وفي غفلةٍ عابرةٍ: نبتَتْ صورتَكِ التي كنتُ أركنتُها للنسيان، عاتبتني وأهاجَتْ مكامنَ أشواقي فقلتُ: هما عيناكِ... وما أحلاهما عيناكِ؟؟
(6)
فطارَ الخريف يعوي، يملأ شرفتي زعيقاً، وثمّة طيوفٌ من سحاباتٍ منحنياتٍ مرخيات الذبولِ يتأرجحْنَ على أرجوحة الذكريات وترفُّ ضفائرها على وجهي فتشبُّ في مقلتيَّ الرغائبُ وأرى أيدي الغيث تمرُّ على الأرض خصباً ونماءّ.
(7)
مسَّدتُ شعر ذاكرتي.. وهرعْتُ والقصيدة إلى أوّل البراري.
ركضْتُ في فلاةٍ لا قرارَ جلستُ على قارعةِ الكلام وكتبتُ:
ستبقى عيونك كلَّ العيون، وكلَّ الوجوه.
وأبقى أراكِ بكل العيونِ، وكلَّ الوجوه.

سيف الدين راعي


طباعة   البريد الإلكتروني